وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع، ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب ، وأن الأمراض - وإن كثرت - فالصحة أكثر منها ، واللذّات أكثر من الآلام ، والعافية أعظم من البلاء ، والغرق والحرق والهدم ونحوها ، وإن كثُرت فالسلامة أكثر ، ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لَفَاتَ الخير الغالب ، وفوات الغالب شرّ غالب ، ومثال ذلك النار ، فإن في وجودها منافع كثيرة ، وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها ، وكذلك المطر والرياح والحر والبرد ، وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ، ولكن خيرها غالب ، وأما العالم العلوي فبريء من ذلك .
فإن قيل: فهلا خلق الخلاّق الحكيم هذه خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة ؟ فإن قلتم: اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير بالشر ، قد كان يمكن خلقه على حَالَةٍ لا يكون فيه شرّ ، كالعالم العلوي ؛ سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه ، فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس ؟ وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر ؟