فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 8206

فمن سُرّ بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النّمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه، ومن سُرّ بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسمًا، ومن سُرّ بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه، ومن سُرّ بسرعة عَدْوِه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوًا منه، ومن سُرّ بحسن صوته فليعلم أن كثيرًا من الطير أحسن صوتًا منه، وأن أصوات المزامير ألذّ وأطرب من صوته. فأي فخرٍ وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه؟ اهـ.

أغرّك أنك ذو حسب أو مال؟

فأنت هكذا وُلدت من غير منك ولا قوة

والمال مال الله، فليس لك حذق في جمعه، ولا قوة في كسبه.

فمن ظن أن الرزق يأتي بقوة *** ما أكل العصفور شيئا مع النسر!

أم غرّك أن الله أملى لك وأمهل، فظننت أن هذا لصلاح فيك؟

قال ابن القيم في قول الله تعالى: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)

قال رحمه الله: فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك ولكن ظن أنه لكرامته عليه فالآية على التقدير الأول: تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعِلْمِه وقوَّتِه، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها، فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة وأنها من المنعم وحدَه، فإذا أضيفت إلى غيره كان جَحْدًا لها، فإذا قال: أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك، فقد أضافها إلى نفسه وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا: من أشد منا قوة؟! فهؤلاء اغتروا بقوّتهم، وهذا اغتر بعلمه فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت