وعلى التقدير الثاني: تتضمن ذم من اعتقد أن أنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه.
وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكلُّ محضُ منَّتِه وفضلِه وجودِه، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير. وعلى التقديرين فهو لم يُضِفْ النعمةَ إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابِها. فأسبابُها من نِعمِه على العبد، وإن حصلت بكسبه فكسبُه من نعمِه. فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر، فإنه نعمة، وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكرُه نعمةٌ منه عليه، كما قال داود صلى الله عليه وسلم: يا رب كيف أشكرك، وشكري لك نعمه من نعمك عليّ تستوجب شكرًا آخر؟. فقال: الآن شكرتني يا داود. ذكره الإمام أحمد. والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) .انتهى كلامه رحمه الله.
يا أيها الإنسان ما الذي بالله غرّك؟
أغرّك أنك فعلتَ وفعلت، وأنفقت وتصدّقت؟
قال جل جلاله: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)
سمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: فعلت إليك، وفعلت، فقال له: اسكت! فلا خير في المعروف إذا أُحصِي.
أغرّك أن الله يراك على المعصية، بل وتُقيم عليها الدهور، وهو يحلم عليك، ويمهلك، بل ويَقْبلك إن رجعت؟