ودمع عيني على خديَّ محدورُ
أدعوه باسمِكَ في كربٍ وفي تعبٍ
وانت لاهٍ قريرُ العين مسرورُ
وأما هندٌ فقد أصبحت بعدها موجة بشر بحرها وزهرة بشر عطرها، تقطف من محياه
كلما مرّ بعضًا من الحياة فكيف تعيش إن حجب عنها؟؟
وأما بشر فقد خاف على نفسه من الفضيحة فارتحل إلى بطحاء تراب ليلًا. ووقفت
جارية هند على أمره فأعلمت سيدتها، فاشتد عليها ذلك ومرضت مرضًا شديدًا
فبعث زوجها إلى الأطباء فقالت له:
"لا تبعث إليّ طبيبًا فإني عرفت دائي، قهرني جني في مغتسلي فقال لي: تحولي"
عن هذه الدار فليس لك في جوارنا خير"."
فأجابها الزوج: ما أهون هذا فقالت: إني رأيت في منامي أن أسكن بطحاء تراب
فقال:"اسكني بنا حيث شئت".
فاتخذت هناك دارًا على طريق بشر وجعلت تمضي الأيام في النظر إليه كل غداة
إذا غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى برئت من مرضها وعادت إلى حسنها، فقال لها
زوجها:"إني لأرجو أن يكون لك عند الله خير لما رأيت في منامك أن أسكني"
بطحاء تراب فاكثري من الدعاء"."
وكانت مع هند في الدار عجوز فأفشت إليها أمرها وشكت إليها ما أبتليت به
وأخبرتها أنها خائفة أن يعلم بشر بمكانها فيترك الممر ويأخذ طريقًا آخر
فقالت لها العجوز: لا تخافي فإني أعلم لك أمر الفتى كله وإن شئت أقعدتك معه
ولا يشعر بمكانك فقالت"ليت ذاك قد كان. ولما همّت العجوز بالإنصراف قالت"
لها هند:
ساعديني واكشفي عني الكروب
ثم نوحي عند نوحي ياجنوبْ
واندبي حظي ونوحي علنًا
إن حاليَ بَعْده شيءٌ غريبْ
ما رأت مثلي زليخا يوسفٍ
لا ولا يعقوب بالحزنِ العجيبْ
فقعدت العجوز على باب الدار حتى أقبل بشر فسألته أن يكتب لها رسالة إلى
إبنها في العراق فقعد وراحت تملي عليه وهند تسمع كلامهما. فلما فرغ قالت
العجوز لبشر: يا فتى، إني أراك مسحورًا فقال لها: ما أعلمك بذلك؟ فأجابته:
ما قلت لك إلا وأنا متيقنة فانصرف عني اليوم حتى أنظر في أمرك.