وزادت هذه الأبيات من لوعته وأضرمت نيران الحب في قلبه فكتب إليها:
سلام الله من بعد البعاد
على الشمس المنيرةِ في البلادِ
سلام الله يا هندُ عليك
ورحمته إلى ييومِ التنادي
وحقِّ الله لا ينساك قلبي
إلى يوم القيامةِ يا مرادي
فرقّي وارحمي مضنى كَئيبًا
فبشر صار ملقى في الوسادِ
فداوي سقمه بالقرب يومًا
فقلبي ذابَ من ألم البعادِ
لكن جرحها كان أكبر من أن تبلسمه الكلمات وفضيحتها كانت أوسع من أن تحصرها
الزفرات فردت عليه تقول:
سلامُ الله من شمسِ البلادِ
على الصبَّ الموسد في المهادِ
فإن ترجُ الوصال وتشتهيه
فأنت من الوصالِ على بعادِ
فلست بنائلٍ منّي وصالًا
ولا يدنو بياضك من سوادي
ولا تبلغ مرادك من وصالي
إلى يوم القيامةِ والتنادي
فلما وصل إليه الكتاب إمتنع عن الطعام والشراب حتى إشتدت علّته وكانت له
أخت تواسيه فطلب منها أن تأتيه بهند. فلما علمت هند بأنه على آخر رمق من
الحياة سارت معها إليه فوجدته يقول:
إلهي إني قد بُليت من الهوى
وأصبحتُ ياذا العرش في أشغل الشغلِ
أكابد نفسًا قد تولّى بها الهوى
وقد ملّ إخواني وقد ملّني أهلي
وقد أيقنتْ نفسي بأني هالكٌ
بهندٍ وأني قد وهبتُ لها قتلي
وأني وإن كانت إلي مُسيئة
يشقُّ عليَّ أن تعذّب من أجلي
فبكت هند وبكى معها كل من كان حاضرًا وأنشدت:
أيا بشر حالك قد فنى جسدي
وألهب النار في جسمي وفي كبدي
وفاض دمعي على الخدين منسكبًا
وخانني الدهر فيكم وانقضى رشدي
ما كان قصدي بهذا الحال أنظركم
لا والذي خلقَ الإنسانَ من كمدِ
فما سمع كلامها أوما إليها وأنشد:
أيا هند إذا مرّت عليك جنازتي
فنوحي بحزنٍ ثم في النوح رنّمي
وقولي إذا مرّت عليك جنازتي
وشيري بعينيك عليَّ وسلّمي
وقولي رعاكَ اللهُ يا ميَّّتَ الهوى
وأسكنكَ الفردوسَ إن كنتَ مسلم
ثم شهق شهقة وفارقت روحه الدنيا فلما رأته إرتمت عليه وأنشدت:
أيا عينُ نوحي على بشر بتغرير
ألا ترويه من دمعي بتقديرِ