قال الحكيم الترمذي: وكان السلف الصالح ينبسطون إلى أهاليهم وأولادهم وإخوانهم ، ويُظهرون النشاط في الأمور ، ويتفقدون من أنفسهم الوقوف عند الحدود كي لا يرتطموا في النهي .
وقال إبراهيم النخعي: يُعجبني أن يكون الرجل في أهله كالصبي ، فإذا بُغي منه وُجد رجلا .
يعني إذا طُولب بما لا يجوز في الحق وُجد صلبا في دينه .
تذكّرت هذه المعاني يوم أن أصرّ ابني الأصغر - الذي تجاوز عمره السنتين بقليل - أن ألعب معه !
فهو لا يرى الدنيا سوى أرجوحة وحلوى !
تركت ما كان بيدي وقمت معه
ذهبت معه إلى الأرجوحة
أصرّ على ركوبي معه !
رَكِبتُ !!
وتفكّرت كم بيني وبينه من مدى زمني ؟!
كم تفصل بيننا سنوات العمر ؟
ثم جال بخاطري كلمات كان يُرددها
فردّدتُ وردّد معي
هذا قمرٌ ... ما أحلاه
هذا نجم ... ما أبهاه
هذا بحر ... مَنْ سوّاه ؟
إنه الله القدير
إنه الله القدير
فكنت أقول له الكلمة الأولى ويقول الثانية !
فحفر هذا الموقف في ذهن طفلي مشهدًا لا أظنه ينساه
أما إني ما كنت أعي ماذا بعد هذا المشهد
إلا لما سمعته مرارًا يقول: ركبت في ( الملديحة ! ) وركب معي أبوي !
وقال ... وقلتُ ...
وكرر هذه الكلمات كثيرًا !
علمت بعدها كم للتبسّط مع الأطفال من أثر
وكم لِلَعب الأب أو لجلوسه مع أطفاله من كبير القدر
يرون أنه قريب منهم
وأنه يُشاركهم أفراحهم وأحزانهم
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقا ، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير ، كان فطيما ، فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال: أبا عمير ما فعل النغير ؟ قال: فكان يلعب به . رواه البخاري ومسلم .
كيف بك لو دخلت على عمر بن الخطاب فرأيته يمشي على يديه ورجليه يحمل صبيا له على ظهره ؟!
هل تخيّلت هذا المشهد ؟!
إنه خليفة المسلمين
إنه أمير المؤمنين
إنه الذي قيل فيه:
يهتز كسرى على كرسيه فرقًا = مِن بأسه وملوك الروم تخشاه