اجتمع أشراف قريش يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ! سفّه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا . لقد صبرنا منه على أمر عظيم . فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت ، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول قال عبد الله بن عمرو: فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فقال: تسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح . فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ! حتى إن أشدهم فيه وَصَاة قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم ، انصرف راشدًا ، فو الله ما كنت جهولا ! قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه الإمام أحمد بإسناد حسن .
أليست هذه شِدّة وغِلظة ؟
ولو قيلت اليوم لكافر لعُدّ ذلك من الغِلظة والتنفير !
ومن أشد ما رأيت مواقف الصحابة يوم الحديبيبة مع أنهم ليسوا في موقف قوة ، ولكن ردودهم وأقوالهم كانت هي القويّة .
في يوم الحديبية أرسلت قريش رُسلها لمفاوضة النبي صلى الله عليه على آله وسلم ، فلم تُفلح تلك الجهود قام عروة بن مسعود الثقفي - وكان مشركا - فقال: أي قوم ! ألستم بالوالد ؟
قالوا: بلى .
قال: أوَ لست بالولد ؟
قالوا: بلى .
قال: فهل تتهمونني ؟
قالوا: لا .
قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟
قالوا: بلى .
قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه .