بل وحتى من عُرِف عنه أنه جاهد في سبيل الله ، وقاتَل الأعداء ، لم تكن كل حياته في الجِهاد في سبيل الله بالسيف ، بل تارة بالسيف والسِّنَان ، وتارة أخرى بالعِلْم والبيَان .
وخذ على سبيل المثال من اشتهر بِجهاد الكُفار وقتالهم:
عبد الله بن المبارك رحمه الله ، ومع ذلك فقد أخذ حظًّا وافِرًا من العِلْم والرواية ، وكان يَحُجّ من خُراسان ، فهو لم يكن مُنقطِعا للجهاد في سبيل الله .
شيخ الإسلام ابن تيمية: اشتُهر عنه الجهاد في سبيل الله وقِتال العدو ، وقرر هذه المسائل كثيرا ، إلا أنه حياته كانت حافِلة بالعِلْم والتعليم ، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فلم ينقطع للجهاد .
ومِن تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية:
ابن القيم
ابن رجب الحنبلي
ابن كثير الدمشقي
الذهبي ..
وغيرهم ..
ومع ذلك فشهرتهم في العْلِم أكثر من شُهرتهم في أي أمْر آخر ، ولا يَزال عِلْمهم وأثرهم في الأمة باقٍ وواضِح ونافع .
بل قد لا يُذكر في تراجمهم شيئا من الجهاد في سبيل الله ، مع ما كان في زمانهم مِن عُدوان الفرنج على بلاد المسلمين ، وابن كثير ذَكَر كثيرا من الحوادث والوقائع ، ولم يذكر نُفْرَة الأمة بِعَامّة ، ولا استنفارها مِن قِبَل العلماء .
فليس صحيحا أن يُطلَب من الأمة أن تنفر جمعاء ، ولا أن يتنازل العلماء عن مكانتهم ، ولا أن يتفرَّغُوا للجهاد في سبيل الله ؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لضاعت الأمة في دياجير ظلمات الجهل .
والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى العلماء العاملين ، والدُّعَاة الصادقين .
وكيف تَرْجو النصر أُمَّة لا تُقدِّر عُلماءها ، ولا تُجِلّ كِبارها ..
وقد قال نَبِيُّها صلى الله عليه وسلم: ليس مِن أمتي مَن لم يُجِلّ كبيرنا ، ويَرْحم صَغيرنا ، ويَعْرِف لِعَالِمِنا حَقَّه . رواه الإمام أحمد .
وكيف ترجو النصر أمَّة ترى أن خيارها هم خَوَنتها ؟!