فهرس الكتاب
وقد كَتَبَ عبد الله بن عبد العزيز العُمَريّ العابد إلى الإمام مالك يحضُّه إلى الانفراد والعمل ، ويَرْغَب به عن الاجتماع إليه في العلم ، فكتب إليه مالك: إن الله عز وجل قسم الأعمال كما قسم الأرزاق ، فَرُبّ رَجُلٍ فُتِح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم ، وآخر فُتِح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام ، وآخر فُتِح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصلاة ، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر ، وقد رضيت بما فُتِحَ الله لي فيه من ذلك ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كلانا على خير ، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسِمَ له ، والسلام . ذَكَره ابن عبد البر .
قال ابن عبد البر: ومعلوم أن من الناس من يتعذر عليه حفظ القرآن ويُفتَح له في غيره .
فقد يُفتَح لإنسان في العِلْم فلا يُؤمَر بالانصراف عنه إلى غيره ، وقد يُفتَح للناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر ويَكون له أثره البالغ في هذا الباب ، فلا يُؤمر بالانتقال إلى غيره .
وهكذا في سائر فروض الكِفايات ، فإن لو انصرف الناس إلى الجهاد في سبيل الله - عامتهم وعلماؤهم - لتعطّلت فروض الكِفايات ، بل وتعطّلَت الْجُمَع والجماعات .
والإمام أحمد رحمه الله - وهو إمام أهل السنة - لم يُجاهِد في سبيل الله ، وتَمَنّى في آخر حياته لو أنه جاهد في سبيل الله .
فهل كان أولئك الأئمة الأخيار قد خانوا الأمة ؟
وهل كانوا مُتَّهَمِين بالْجُبْن والْخَوَر ؟
أو كانوا مُتَّهَمين بالعَمَالة وخوف السلطان ؟
أو كانوا يَطمعون في دُنيا ؟!
كلا ، وحاشاهم ..
فهم نُجوم الدُّجَى ، ومصابيح الْهُدى لهذه الأمة .
ولِيُعْلَم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُجاهِد تارة بالسيف والسّنان ، وأخرى باللسان ،
وقد أُمِر بِجهاد الكُفار والمنافقين ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .