فهرس الكتاب
الوجه الأول: أن علماء الأمة على مرّ العصور لم ينتقدوا الأحاديث بهذه الطريقة .مع أنه لَم يَفُتْهم انتقاد الأسانيد بل والْمُتُون التي تحتاج إلى نَقْد ، فلم يكن يخفَى عليهم ما ظَهَر لشخص لا يُرْدَى من هو بعد ألف سنة من تدوين السنة النبوية !
الوجه الثاني: أن علماء الأمة كانوا أعلم وأتقى لله عزّ وَجَلّ ، بل وأكثر تَعظيما لِشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فكان الإمام مالك رحمه الله - إمام دار الهجرة - لا يُحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ وهو على طهارة تامة ، فيتوضأ إذا أراد أن يُحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال إسماعيل بن أبي أويس: كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته وتمكّن مِن جلوسه بِوقار وهيبة ، وحَدّث . فقيل له في ذلك ، فقال: أُحِب أن أعَظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أُحَدِّث إلاَّ على طهارة متمكنا . وكان يكره أن يُحَدِّث في الطريق ، أو وهو قائم ، أو مستعجل ، وقال: أُحِبّ أن أتفهم ما أُحَدِّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البيهقي في المدخَل إلى السنن الكبرى .
وأخرج البيهقي عن ابن المبارك قال: كنت عند مالك وهو يُحَدِّث ، فجاءت عقرب فلدغته ست عشرة مرة ، ومالك يتغير لونه ويتصبر ، ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فَرغ من المجلس وتَفَرّق الناس قلت له: لقد رأيت منك عجبا ! قال: نعم ، إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأخرج عن مالك أن رجلا جاء إلى سعيد بن المسيب وهو مريض فسأله عن حديث وهو مضطجع ، فجلس فحدثه ، فقال له الرجل: وددت أنك لم تَتَعَنّ ، فقال له: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع .