وقوله (?بَلِ?اللّهُ?يُزَكِّي?مَن?يَشَاء ) إبطال لمعتقدهم بإثبات ضدّه ، وهو أن التزكية شهادة من الله ، ولا ينفع أحدًا أن يُزكّي نفسه . وفي تصدير الجملة بـ"بل"تصريح بإبطال تزكيتهم ، وأن الذين زكّوا أنفسهم لاحظّ لهم في تزكية الله ، وأنهم ليسوا ممن يشاء الله تزكيته ، ولو لم يذكر"بل"فقيل: و ( الله يُزكي من يشاء ) لكان لهم مَطمع أن يكونوا ممن زكاه الله تعالى .
وقال - رحمه الله - في تفسير آية النجم ( فَلا?تُزَكُّوا?أَنفُسَكُمْ?هُوَ?أَعْلَمُ?بِمَنِ?اتَّقَى ) :
( فَلا?تُزَكُّوا?أَنفُسَكُمْ ) تحذير للمؤمنين من العُجب بأعمالهم الحسنة عُجبًا يُحدثه المرء في نفسه أو يُدخله أحد على غيره بالثاء عليه بعمله ...
فقوله ( أَنفُسَكُمْ?) صادق بتزكية المرء نفسه في سرّه أو علانيته ...
والمعنى: لا تحسبوا أنفسكم أزكياء ، وابتغوا زيادة التقرب إلى الله أوْ لا تثقوا بأنكم أزكياء فيدخلكم العُجب بأعمالكم ، ويشمل ذلك ذكر المرء أعماله الصالحة للتفاخر بها ، أو إظهارها للناس ، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان فيه جلب مصلحة عامة كما قال يوسف: ( اجْعَلْنِي?عَلَى?خَزَآئِنِ?الأَرْضِ?إِنِّي?حَفِيظٌ?عَلِيمٌ ) . وعن الكلبي ومقاتل: كان ناس يعملون أعمالًا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
ويشمل تزكية المرء غيره فيرجع ( أَنفُسَكُمْ?) إلى معنى قومكم أو جماعتكم ، مثل قوله تعالى: ( فَإِذَا?دَخَلْتُم?بُيُوتًا?فَسَلِّمُوا?عَلَى?أَنفُسِكُمْ ) أي ليُسلّم بعضكم على بعض .
والمعنى: فلا يُثني بعضكم على بعض بالصلاح والطاعة لئلا يُغيّره ذلك .