وليست الأحكام تُبنى على وقائع الأعيان
فهذه الحادثة التي ذكرها وهي قصة جار له منذ خمسة عشر عاما وهو على تلك الحال هي واقعة عين لا عموم لها .
ووقائع الأعيان لا تأخذ حُكم العموم ، كما في قواعد أصول الفقه .
فالحادثة الواحدة قد تشذّ عن القاعدة
ولكن لو نظرنا في حِكمة أحكم الحاكمين الذي ختم الآية بقوله: ( والله عليم حكيم ) لعلمنا أن في توزيع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية حِكمة بالغة علِمها من علِمها وجهلها من جهلها .
فالله عليمٌ بأهلها وبمن تصلح لهم وبمن تُصلح أحوالهم .
حكيم في وضعها في هؤلاء دون غيرهم .
قال ابن كثير - رحمه الله -: وقوله: ( فريضة من الله ) أي حُكما مقدّرًا بتقدير الله وفرضه وقَسْمه ، والله عليم حكيم: أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها ، وبمصالح عباده . حكيم فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به لا إله إلا هو ولا رب سواه .
ثم إننا - أخي الفاضل - لو قلنا بقول ذلك القائل فقصرنا الزكاة على فقير
لاحتج علينا بقية الفقراء
ولاحتجّ علينا المساكين
والجُباة للزكاة ( العاملين عليها )
ولم نجد ما نتألف به قلوب المؤلفة قلوبهم ، ومن ثمّ تفوت مصلحة عُظمى .
ولاحتج علينا العبيد الذين تتطلع نفوسهم للعتق ، وقد يكون هذا خافيا الآن .
ولاحتجّ علينا من غرُم ، وهم أهل الدَّيْن . فمن أين للمعسر الوفاء ؟
ولتعطّلت مصالح المجاهدين المنقطعين للجهاد وحماية الثغور والذب عن حياض الدين
ولانقطع المسافر الذي انقطعت به السبل ( ابن السبيل )
فمن سيحكم بين هؤلاء ؟؟
ومن سيُنصِف بقية أهل الزكاة الذين فُرضت لهم من فوق سبع سماوات ؟؟
وأختم القول بقول سهل بن حنيف رضي الله عنه حينما قال يوم صفّين:
أيها الناس اتهموا رأيكم ؛ والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته . متفق عليه .
ولابن القيم - رحمه الله - كلاما نفيسا أسوقه لنفاسته