فهرس الكتاب
وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية بل قد عرفوا إنه أراد مفهوم الخطاب سلك مسلك التخييل ، وقال إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك ، فهؤلاء يقولون إن الرسل كَذَبُوا للمصلحة ، وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية ، فالذين عظموا الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوهم إلى التلبيس والإضلال ، والذين اقروا بأنهم بينوا الحق قالوا إنهم كَذَبُوا للمصلحة ، وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق وانهم بينوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق فهم الصادقون المُصَدَّوقون علموا الحق وبينوه ، فمن قال إنهم كَذَبوا للمصلحة فهو من إخوان المكذبين للرسل ، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير والعدل في العالم لم يمكنه أن يقول كذبوا لطلب العلو والفساد بل قال كَذَبُوا لمصلحة الخلق كما يُحكى عن ابن التومرت وأمثاله . انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - .
وهذا كله نتيجة الخوض في الفلسفة
ولذا قال أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله -:
فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار موسوسا تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا .
قال ابن أبي العز في شرحه: يتذبذب يضطرب ويتردد وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك كما قال ابن رشد الحفيد وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به ؟ وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر وكذلك الغزالي رحمه الله انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية .