فهرس الكتاب
وأذكر أنني في يوم من الأيام وقفت عند منزل أحد الأصدقاء وبينما أنا في انتظاره إذا بالسائق يدخل البيت دون سلام أو كلام أو أدنى صوت ، ثم جاء شاب لو أراد أن يَهُدّ سارية لهدّها ، ثم جاء آخر ثم جاء الثالث وكلُّ واحد أوقف سيارته ودخل .
فتألمت لذلك الوضع ، واعتصر قلبي ألمًا من ذلك التفريط مع وجود أولئك في بيت واحد
وفي الحقيقة ما وجود السائق في أغلب الأحيان إلا مظهر من مظاهر الترف ، وإفراز من إفرازات وتَبِعات عملِ المرأة وإخراجِها من بيتها ، فلسنا بحاجة للسائق في الأعمّ الأغلب إلا لزيادة المظاهر ، وحبِّ التميّز ، واتّباع أهواء النساء ورغباتهن !! وأننا لسنا أقل من غيرنا ، وليس غيرنا بأحسن منا !! ولا أدلّ على ذلك من وجود أكثر من شاب في البيت ربما يكون عاطلًا ، ومع ذلك يؤتى بالسائق ليقوم بتوصيل البنين والبنات ، ويجوب بالأم الأسواق لمعرفة الجديد ، والتعرف على الأخبار ، وتفقّد أحوال الرعية !!
وثمة أمر آخر يُصدِّق ما ذكرت ، وهو ما يُلفت الأنظار - أحيانًا - مِنْ وجود سائقين بسيارات متهالكة !! مما يؤكد أن هناك أُسَرًا لا تستطيع توفير بعض الضروريات ومع ذلك تُوفّر الكماليات للمظاهر فقط .
وهذا الصنيع دعوةٌ - غير مباشرة - للعقوق ، فيتعلّم الأبناء عدم تلبية حاجيّات والديهم ، في حين يظهر عدم احتياجِ أهلهيم إليهم ، وعدم تحمُّلِهم المسؤولية ، عندها يُصبح الداء مركّبًا ، عقوقُ والِدَين ، واتّكاليةٌ على الغير ، فلو أراد أحدهم أن يشتري خبزًا لنادى على السائق وأصدر أوامره وزمجر وهدد إن تأخّر ! بينما هو يتّكئ على أريكته يُشاهد مسلسلًا أو مباراة أو غيرها من توافه الأمور !
والله يُحبّ معالي الأمور ، ويكره سفسافها . كما قال عليه الصلاة والسلام .
وهناك الكثير من البيوت استغنت عن السائق الأجنبي بعد أن وقعت المصائب ، وانتُهكت الأعراض .