وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يُشدّدون في مسألة التحديث عن النبي صلى الله عليه على آله وسلم ، ويتحرّون الدقّة في الألفاظ .
ولذا كان أنس بن مالك إذا أراد أن يُحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير لونه ثم قال: أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
روى مسلم - في المقدمة - عن ابن عباس أنه قال: إنما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول فهيهات .
وروى عن طاوس قال: جاء هذا إلى ابن عباس - يعني بشير بن كعب - فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس: عُد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، ثم حدثه ، فقال له: عُد لحديث كذا وكذا ، فعاد له . فقال له: ما أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا ؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا ؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يُكذب عليه ، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه .
وروى عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه . فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم ينفذ من الناس إلا ما نعرف .
وبُشي بن كعب هذا لم يكن من الوضّاعين ، فهو ثقة مُخضرم - أي أدرك زمن النبي صلى الله عليه على آله وسلم ، ولم يلقَه .
وإنما أعرض عنه ابن عباس - رضي الله عنهما - لأنه كان يُكثر الرواية ، ويروي عن أهل الكتاب .
وكانت هناك بواعث ودوافع أدّت إلى نشأة الوضع وانتشاره ؛ فمنها: