حينما يكون الفساد فسادًا واضحا بيِّنًا ظاهرًا جليًا .. فإنه لا يَخفى عوراه إلا على القوم الفاسِقين ؛ لأنهم انغمسوا في الفِسق ! والواقع في أصل بئر لا يَرى فوّهة البئر ، والغارق في ظُلمات البحر لا يَرى سَطح البحر ، والجالس في أصل جَبَل لا يَرى أوكار النسور ، ولا مخابئ الوحوش !
أما الجالس على شَفير البئر ، فإنه يَرى أبعادَها .
والواقف على ساحل البحر يَرى سطح البحر الممتدّ أمامه .
والصّاعد على قمّة جَبل يَرى ما حوله ، بل يَرى ما يُحيط به .
فإن نادى الذي في أعلى البئر على من في أسفلها: اخرُج لترى النور .. فلا ريب إن أنكر ضوء الشمس مَن كان في القاع !
وإن رأى الواقف على ساحل البحر بحرًا مُمتدًا .. فلا عَجب أن لا يَراه من كان في أعماق البحر !
وإن صاح من في قمّة الجَبَل ، وأنذر الناس ما يَفجأهم مِن عَدوّ يَخافُون كَلَبَه وشرّه فلا غَرْو أن لا يرى من في سفح الجَبَل ما يَراه هو !
وهكذا هم دُعاة الحق ..
يَرون الشمس .. ويَنظرون في الأُفُق
يَنظرون بِنور الله ، ويُبصِّرون الناس من العَمَى
فإن أقَبل سيل عذاب أنذروا الناس
وإن ادلهمّ خَطْب حذّروا الناس
وإن أقَبَلتْ فتنة أرشدوا الناس
ومِن عَجَب أن أهل الفساد والرّيب ، وأهل الفِسق والفُجور .. لا يَتعرّضون لمثل ما يتعرّض له دُعاة الحق .. مع البون الشاسع ، والفرق الواضح بينهما ..
فـ"أهل العلم يَدْعُون من ضلّ إلى الهدى ، ويَصبرون منهم على الأذى ، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، ومن ضالّ جاهل قد هَدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، وأقبح أثر الناس عليهم"كما قال عُمر رضي الله عنه .
وأهل الفِسق والفُجور يَدعُون الناس إلى النار .. وإلى كل خُلُق ردئ ، وإلى نَبْذ العفاف والحياء ، وتَرْك الطُّهر ..
وهم مع ذلك يَجِدون سَنَدًا ممن قلّ دِينه ، وضعف إيمانه ..