فهرس الكتاب
فهو هكذا فريضة من الله والقائل ذلك القول يلزم من قوله إيجاد طبقات في المجتمع بل طبقات في الفقراء ! كيف ذلك ؟ إذا أعطينا فقيرًا حتى يغتني ويكون له مصدر رزق فقد حرمنا الفقراء الآخرين وظلمناهم في نفس الوقت في سبيل تحقيق مصلحة موهومة لفقير واحد .
كما أننا إذا أعطينا فقيرًا واحدا لِزِم من ذلك إهمال بقية الأصناف الثمانية المذكورين في الآية . ولزِم منه أن يموت بعض الفقراء جوعا ومسغبة حتى يغتني ذلك الفقير . ولكننا إذا أعطينا سائر الفقراء والمساكين وبقية أهل الزكاة ولو كان قليلا فإننا دفعنا حاجتهم الضرورية ، وأبقينا عليهم ، وأغنيناهم من الفقر ، وكففنا أيديهم عن مسألة الناس .
وليست الأحكام تُبنى على وقائع الأعيان فهذه الحادثة التي ذكرها وهي قصة جار له منذ خمسة عشر عاما وهو على تلك الحال هي واقعة عين لا عموم لها . ووقائع الأعيان لا تأخذ حُكم العموم ، كما في قواعد أصول الفقه . فالحادثة الواحدة قد تشذّ عن القاعدة ولكن لو نظرنا في حِكمة أحكم الحاكمين الذي ختم الآية بقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
لعلمنا أن في توزيع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية حِكمة بالغة علِمها من علِمها وجهلها من جهلها . فالله عليمٌ بأهلها وبمن تصلح لهم وبمن تُصلح أحوالهم . حكيم في وضعها في هؤلاء دون غيرهم .
قال ابن كثير - رحمه الله -: وقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) أي حُكما مقدّرًا بتقدير الله وفرضه وقَسْمه ، والله عليم حكيم: أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها ، وبمصالح عباده . حكيم فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به لا إله إلا هو ولا رب سواه .