فهرس الكتاب
ثم إننا - أخي الفاضل - لو قلنا بقول ذلك القائل فقصرنا الزكاة على فقير لاحتج علينا بقية الفقراء ولاحتجّ علينا المساكين والجُباة للزكاة ( العاملين عليها ) ولم نجد ما نتألف به قلوب المؤلفة قلوبهم ، ومن ثمّ تفوت مصلحة عُظمى . ولاحتج علينا العبيد الذين تتطلع نفوسهم للعتق ، وقد يكون هذا خافيا الآن . ولاحتجّ علينا من غرُم ، وهم أهل الدَّيْن .
فمن أين للمعسر الوفاء ؟ ولتعطّلت مصالح المجاهدين المنقطعين للجهاد وحماية الثغور والذب عن حياض الدين ولانقطع المسافر الذي انقطعت به السبل ( ابن السبيل ) فمن سيحكم بين هؤلاء ؟؟ ومن سيُنصِف بقية أهل الزكاة الذين فُرضت لهم من فوق سبع سماوات ؟؟
وأختم القول بقول سهل بن حنيف رضي الله عنه حينما قال يوم صفّين: أيها الناس اتهموا رأيكم ؛ والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته . متفق عليه .
ولابن القيم - رحمه الله - كلاما نفيسا أسوقه لنفاسته قال - رحمه الله - وهو يتكلّم عن التواضع: التواضع للدِّين هو الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان ، وذلك بثلاثة أشياء الأول: أن لا يُعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول والقياس والذوق والسياسة .
الثاني: أن لا يتهم دليلا من أدلة الدِّين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ، ومتى عَرَضَ له شيء من ذلك فليتَّهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل: وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم ،