فهرس الكتاب
وفي رواية عنه: أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين ، مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم يُصَلُّون فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا ، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبِيَعًا ، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ، ومَن لا فليمضِ ولا يتعمّدها .
ولم يُعظِّم الصحابة قبور الشهداء ، ولا آثار وأماكن الغزوات ، فأعظم نصر كان في أول الإسلام هو ما كان في يوم بدر ، ومع ذلك لم يُعرف عن أحد من الصحابة تعظيم مكان الغزوة ، ولا زيارته أو تعاهده .
وتعظيم آثار الصالحين كان سبب الشرك في الأرض ، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن"وُدّ ، وسُواع ، ويَغوث ، ويَعُوق ، ونسر": أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ .
قال القرطبي المالكي ( المتوفّى سنة 671 هـ ) : قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأسَّوا برؤية تلك الصور ، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ، ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم ، فَمَضَت لهم بذلك أزمان ، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها ، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك .
وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك ، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". اهـ ."