فهرس الكتاب
وروى مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْألها .
قال النووي: وفي المراد بهذا الحديث تأويلان:
أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي ، أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بِحَقّ ولا يَعْلَم ذلك الإنسان أنه شاهد ، فيأتي إليه فيَخْبِره بأنه شاهد له .
والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة ، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم ، فيما تُقْبل فيه شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك ، فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به والشهادة . قال الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) .
وكذا في النوع الأول يلزم من عنده شهادة لإنسان لا يعلمها أن يُعْلِمه إياها ؛ لأنها أمانة له عنده .
ثم قال رحمه الله: وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يُسْتَشْهَد ، في قوله صلى الله عليه وسلم:"يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدُون"، وقد تأوَّل العلماء هذا تأويلات:
أصحها تأويل أصحابنا أنه محمول على من معه شهادة لآدمي عالِم بها ، فيأتي فيشهد بها قبل أن تُطْلَب منه .
والثاني: أنه محمول على شاهد الزور ، فيشهد بما لا أصل له ولم يُسْتَشْهَد .
والثالث: أنه محمول على من ينتصب شاهدا ، وليس هو من أهل الشهادة .
والرابع: أنه محمول على من يشهد لقوم بالجنة أو بالنار من غير توقّف ، وهذا ضعيف . والله أعلم .
وقال في موضع آخر: وقوله صلى الله عليه وسلم:"يَشْهَدون قبل أن يُسْتَشْهَدُوا"، هذا الحديث في ظاهره مخالفة للحديث الآخر:"خَير الشُّهود الذي يأتي بالشَّهادة قبل أن يُسْألها".