فعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروّح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة وعمامةٌ يشد بها رأسه ، فبينا هو يوما على ذلك الحمار إذ مرّ به أعرابي ، فقال: ألست ابن فلان بن فلان قال: بلى فأعطاه الحمار وقال: اركب هذا ،والعمامة أُشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروّح عليه ، وعمامةً كنت تشدُّ بها رأسك ، فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولِّي ، وإن أباه كان صديقا لعمر رضي الله عنه . رواه مسلم .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من أبرّ الناس بأمه
ومن أجل ذلك بكى الشعراء أمهاتهم
بكى الشعراء آبائهم لِمَا كانوا يرجون من بِرِّهم والإحسانِ إليهم ، ومن أجمل من رثى وبكى والديه الشاعر عمر بهاء الدين الأميري ، وما قالَه في والدَيْه:
أبتي وأمي موئلي ومَناري= بكما اعتزازي في الورى وفَخَاري
يا شعلتين منيرتين أضاءتا = قلبي الفَتِيَّ بأبهجِ الأنوارِ
يا مقلتينِ من الكرى قد فَرّتا = سهرًا عليّ مخافةَ الأكدار
ما كنت أحسَبُ قبل تركِ = حِماكُما أني أحبُّكما بذا المقدار
وقال في شأن أمِّه:
أنتِ التي داريتِني فَنَمَوتُ في = أحضان عطفِكِ خاليَ الأكدار
أنتِ التي أنشدتِني لحنَ الوفا = وسهرتِ من أجلي إلى الأسحار
أنتِ التي قبّلتِني وبَسَمتِ لي = وضممتِني وأنا الصغير العاري
أنت التي لقَّنتِني آي الهدى = والحبَّ والإحسانِ واسمَ الباري
أرشدتِنِي ونصحتِني ومنعتِني = وعدلتِ بي عن منهج الأشرار
ولما ماتتْ أمُّه بكاها ورثاها ، فلامُه بعضُ أصحابه ، فقال:
يا صحبُ لا تعذلوني في البكاء وقدْ = فقدتُ أمي ، فقلبي ليس من حجرِ
قلبي قد انتزعت منه حشاشتُه = في فجأةٍ ، والردى لونٌ من القدرِ
ودّعتُها قبل شهرٍ في ارتقابِ غدِ = اللقيا وعِشنا معًا بالروحِ في سفري