فهرس الكتاب
قيل له: هذا له هذا محال ؛ لأنها لو أحْدَثَتْ أنفسها لم تَخْلُ من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة ، فإن أحدثتها وهي معدومة كان مُحالًا ؛ لأن الإحداث لا يَتأتَّى إلا من حَيّ عالم قادر مريد ، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك ، وإن كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث أنفسها ، وأيضا فلو جاز ما قالوه لجاز أن يُحدِث البناء نفسه ! وكذلك النِّجَارة والنَّسج ، وذلك مُحال ، وما أدى إلى المحال مُحال ، ثم أن الله تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرد الأخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) والخطاب للكفار ، لقوله تعالى: ( وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) ، وقال: ( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) يعني بالملكوت الآيات ، وقال: ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) . يقول: أو لم ينظروا في ذلك نَظَرَ تفكر وتدبّر حتى يستدلوا بكونها مَحَلاًّ للحوادث والتغييرات على أنها مُحدَثات وأن الْمُحْدَث لا يستغني عن صانع يصنعه ، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم ، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه وذلك محال ... فالإنسان إذا تفكَّر بهذا التنبيه بما جُعِل له من العقل في نفسه رآها مُدَبَّرَة وعلى أحوال شتى مُصَرَّفة ؛ كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما ، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال ، لأنه لا يقدر على أن يُحدِث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء ، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة ، فَيَدُلّه ذلك على أنه في حال نقصه وأَوَانِ ضعفه عن فعل ذلك أعجز ، وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ،