ولما قَدِم هارون الرشيد الرَّقة انجفل الناس خَلْفَ عبدِ الله بنِ المبارك و تقطعت النعال وارتفعت الغَبَرَة ، فأشرفت أمُّ ولدِ أمير المؤمنين من برجٍ من قصر الخشب ، فلما رأت الناس قالت: ما هذا ؟
قالوا: عالمٌ من أهل خراسان قدم الرَّقة يُقال له: عبدُ الله بنُ المبارك ، فقالت: هذا والله الملك ! لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان .
رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد .
وقال أبو الحسن بن فارس: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرياسة والوزارة التي أنا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمانَ ابنِ أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي فكان الطبراني يَغلب بكثرة حفظه ، وكان الجعابي يَغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد ، حتى ارتفعت أصواتُهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبَه فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي ، فقال: هاتِه ، فقال: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدّث بالحديث ، فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة ، فاسمع مِنِّي حتى يعلو إسنادك !
فإنك تروي عن أبي خليفة عني ، فخجل الجعابي وغلبه الطبراني .
قال ابن العميد: فودِدتُّ في مكاني أن الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فَرِح الطبراني لأجل الحديث . رواه الخطيب في تاريخ بغداد .
قال ذلك ابن العميد ، ومن هو ابن العميد ؟
قال عنه الذهبي في السير: الوزير الكبير ، وقال أيضا: كان عجبًا في الترسّل والإنشاء والبلاغة ، يُضرب به المثل ، وقيل: بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتِمت بابن العميد .