وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ سَيَقْتُل مَنْ حَمَل عَلَيْهِ وَيَنْجُوَ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُقْتَل، لَكِنْ سَيَنْكِي نِكَايَةً أَوْ سَيُبْلِي أَوْ يُؤَثِّرُ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ (1) .
وَلاَ يُعْتَبَرُ هَذَا إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (2) لأَِنَّ مَعْنَى التَّهْلُكَةِ - كَمَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ - هُوَ الإِْقَامَةُ فِي الأَْمْوَال وَإِصْلاَحُهَا وَتَرْكُ الْجِهَادِ. لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ حِكَايَةً عَنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَنَّهُ حَمَل رَجُلٌ مِنَ الْمُسْمَلِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَل فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيُّ فَقَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآْيَةَ هَذَا التَّأْوِيل، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الأَْنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِْسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَال بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِْسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَل عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَى مَا قُلْنَا {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِْقَامَةَ عَلَى الأَْمْوَال وَإِصْلاَحَهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ (3)
(1) تفسير القرطبي 2 / 363
(2) سورة البقرة / 195
(3) الأثر عن أسلم أبي عمران أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي 8 / 311 - 312 ط السلفية) والحاكم (المستدرك 2 / 275 ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي