فلما كان من الغد دخل أنس على عبيد الله فقال له عبيد الله بحضرة حارثة إني سألت هذا عنك فأخبرني بما كرهته لك ولم أكن إخالك كما نعت لي فقال أصلح الله الأمير إن يكن قال خيرًا فأنا أهله وإن قال غير ذلك فلم يعد ما هو أولى به مني أما والله لو كان أصلح الله الأمير حقًا لحفظ غيبتي فلقد أوليته حسن الثناء بما ليس أهله والله يعلم أني كنت كاذبًا وما إخال ما قاله في إلا عقوبة فإن عقوبة الكذب حاضرة وثمرة الكذب الندامة فقد لعمري أجنيتها بكذبي وقولي فيه ما ليس فيه وهو عندي كما أقول أصلح الله الأمير وأنشد
( يُحلى ليَ الطرفَ ابنُ بَدْر وإنني ... لأعرِفُ في وجه ابنِ بدرٍ ليَ البُغْضَا )
( رآني شَجًا في حَلقه ما يُسِيغُه ... فما إنْ يزال الدهر يُجْرَض بي جَرْضا )
( وما لِيَ من ذنْبٍ إليه علمتَه ... سوى أن رآني في عشيرته مَحْضا )
( وإنَّ ابن بدرٍ في تميمٍ مُكَرْكَسٌ ... إذا سِيمَ خَسفًا أو مَشنَّعةً أَغْضى )
( فعِشْ يابن بدر ما بقيتَ كما أَرَى ... كثيرَ الخَنَا لا تسأم الذلِّ والغَضَّا )
( تعيبُ الرجالَ الصالحين وفعلَهم ... وتبذلُ بُخلًا دون ما نِلتَه العِرْضا )
( وتَرضى بما لا يرتضي الحرُّ مثلَه ... وذو الحِلم بالتَّخْيِيسِ والذُّلِّ لا يَرضى )
قال وقال أنس في حارثة بن بدر ينسبه إلى الخمر والفجور
( أحارِ بنَ بدرٍ بَاكِرِ الراحَ إنها ... تُنَسِّيكَ ما قدَّمتَ في سالف الدَّهْرِ )
( تُنَسِّيكَ أسبابًا عِظامًا ركبتَها ... وأنتَ على عَمياءَ في سَنَنٍ تَجري )