وعاود وعينه تذرف فقال لنا دخلت الساعة إلى جارية لي كنت أتحظاها فوجدتها في الموت فسلمت عليها فلم تستطع رد السلام إلا إيماء بإصبعها فقلت هذين البيتين
( سلامٌ على مَن لم يُطِق عند بَيْنِه ... سلامًا فأَوْمَى بالبَنان المخضَّبِ )
( فما اسطَعْتُ توديعًا له بِسوَى البُكا ... وذلك جهْد المُستهامِ المُعذَّبِ )
ثم قال غن فيها يا مخارق ففعلت فما استعادني ذلك الغناء قط إلا بكى
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازة قال حدثني أحمد بن أبي العلاء قال حدثني أبي قال
حج رجل مع مخارق فلما قضيا الحج وعادا قال له الرجل في بعض طريقه بحقي عليك غنني صوتا فغناه
( رَحلنا فشَرَّقْنا وراحوا فغَرَّبُوا ... ففاضَتْ لرَوْعاتِ الفراقِ عُيونُ )
فرفع الرجل يده إلى السماء وقال اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له
وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل وقيل بل في آخر خلافة الواثق وذكر ابن خرداذبة أن سبب وفاته أنه أكل قنبيطية باردة فقتلته من فوره
( إذا مِتّ فادفِنِّي إلى جنبِ كَرْمَة ... تُرَوِّي مُشاشِي بعد موتي عُرُوقُها )
( ولا تَدْفِنَنِّي بالفلاة فإنّنِي ... أَخافُ إذا ما مِتُّ ألاَّ أذوقَها )