متغيمة غيمًا مطبقًا وقد بدأت ترش رشًا ساكبًا فنحن في أكمل نشاط وأحسن يوم إذ خرجت قيمة دار أبي عيسى فقالت يا سيدي قد جاءت عساليج فقال لتخرج إلينا فليس بحضرتنا من تحتشمه فخرجت إلينا جارية شكلة حلوة حسنة العقل والهيئة الأدب في يدها عود فسلمت فأمرها أبو عيسى بالجلوس فجلست وغنى القوم حتى انتهى الدور إليها وظننا أنها لا تصنع شيئًا وخفنا أن تهابنا فتحصر فغنت غناء حسنًا مطربًا متقنًا ولم تدع أحدًا من حضر إلا غنت صوتًا من صنعته وأدته على غاية الإحكام فطربنا واستحسنا غناءها وخاطبناها بالاستحسان وألح عبد الله بن العباس من بيننا بالاقتراح عليها والمزاح معها والنظر إليها فقال له أبو عيسى عشقتها وحياتي يا عبد الله قال لا والله يا سيدي وحياتك ما عشقتها ولكني استحسنت كل ما شاهدت منها من منظر وشكل وعقل وعشرة وغناء فقال له أبو عيسى فهذا والله هو العشق وسببه ورب جد جره اللعب وشربنا فلما غلب النبيذ على عبد الله غنى أهزاجًا قديمة وحديثة وغنى فيما غنى بينهما هزجًا في شعر قاله فيها لوقته فما فطن له إلا أبو عيسى وهو
صوت
( نَطَق السُّكْرُ بسِرِّي فبَدَا ... كم يُرَى المَكْتُومُ يَخفى لا يَضِحْ )
( سِحْرُ عَيْنَيك إذا مارنَتَا ... لم يَدعْ ذا صَبْوة أو يَفْتَضِحْ )
( مَلَكَتْ قلبًا فأمسى غَلِقًا ... عندها صَبًّا بها لم يَسْتَرحْ )
( بجَمالٍ وغنِاءٍ حسنٍ ... جلّ عن أن يَنْتَقيه المُقْتَرِحْ )
( أورثَ القلبَ هُمومًا ولقد ... كنتُ مسرورًا بمرآه فَرِحْ )
( ولَكم مُغْتَبِقٍ هَمًَّا وقد ... بَكَر اللَّهْو بُكورَ المُصْطَبُحْ )
الغناء لعبد الله بن العباس هزج فقال له أبو عيسى فعلتها والله يا عبد الله وطار طربًا وشرب على الصوت وقال له صح والله قولي لك في عساليج وأنت