قال عيسى بن قدامة الأسدي وكان قدم قاسان وكان له نديمان فماتا وكان يجيء فيجلس عند القبرين وهما براوند في موضع يقال له خزاق فيشرب ويصب على القبرين حتى يقضي وطره ثم ينصرف وينشد وهو يشرب - طويل -
( خليليَّ هُبَّا طالما قد رَقَدْتُما ... أجِدَّكما لا تقضيانِ كَراكُمَا )
( ألم تعلما ما لي براوَنْدَ هذهِ ... ولا بخُزاقٍ من نديمٍ سواكُما )
( مقيمٌ على قبرَيْكما لستُ بارحًا ... طِوَالَ الليالي أو يجِيبَ صَداكما )
( جَرى الموتُ مجرى اللحمِ والعظم منكما ... كأنّ الذي يَسقي العُقارَ سَقاكما )
( تحمَّل مَنْ يَهوي القُفولَ وغادَروا ... أخًا لكما أشجاه ما قد شجاكما )
( فأيُّ أخٍ يجفو أخًا بعد موتِه ... فلستُ الذي مِن بَعْد موتٍ جفاكما )
( أَصُبُّ على قبريْكما من مُدامةٍ ... فإلاّ تَذُوقا أُرْوِ منها ثَراكما )
( أناديكما كيما تجيبا وتَنْطقا ... وليس مجابًا صوتُه مَن دعاكما )
( أمِن طولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا ... خليليَّ ما هذا الذي قد دهاكما )
( قضَيْتُ بأنِّي لا محالةَ هالِكٌ ... وأني سيعروني الذي قد عراكما )
( سأبكيكما طولَ الحياة وما الذي ... يردُّ على ذي عَوْلةٍ إنْ بكاكما )