وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الاِشْتِغَال بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَالتِّلاَوَةِ وَالصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ، أَمَّا هَذِهِ الثَّلاَثَةُ فَفِعْلُهَا مُسْتَحَبٌّ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ اجْتِنَابُ مَا لاَ يَعْنِيهِ مِنْ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلاَمٍ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ (1) ، لأَِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الاِعْتِكَافِ فَفِيهِ أَوْلَى.
رَوَى الْخَلاَّل عَنْ عَطَاءٍ قَال:"كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُول الْكَلاَمِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُول الْكَلاَمِ: مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ فِي مَعِيشَتِكَ بِمَا لاَ بُدَّ لَكَ مِنْهُ" (2) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَال بِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَخْتَصُّ نَفْعُهَا بِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ، فَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ الاِشْتِغَال بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ.
وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ إِذَا قَصَدَ الطَّاعَةَ لاَ الْمُبَاهَاةَ (3) .
(1) حديث:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. . ."أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه. وأخرجه مالك والترمذي عن طريقه من حديث علي ب (تحفة الأحوذي 6 / 606 - 609 نشر المكتبة السلفية، والموطأ للإمام مالك 2 / 903 ط عيسى الحلبي) .
(2) ابن عابدين 2 / 449 - 450، والدسوقي 1 / 548، والجمل 2 / 364، وكشاف القناع 2 / 362.
(3) الدسوقي 1 / 548، وكشاف القناع 2 / 363 - 364.