وَمِنْ الأَْكْل مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلًا، فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، (1) وَقَدْ قَال الْبَعْضُ: إِنَّ الآْكِل لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّلَذُّذَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْكَافِرِينَ بِأَكْلِهِمْ لِلتَّمَتُّعِ وَالتَّنَعُّمِ وَقَال: {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُل الأَْنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} . (2) وَقَال النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُسْلِمُ يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُل فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ. (3)
هَذَا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ الأَْكْل بِقَصْدِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِهِ، لِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى أَعْمَال الْخَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (4) وَأَمَّا الآْيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَذَا الْقَائِل فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْعِي عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِالأَْطْعِمَةِ الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِي الْمُنْعِمِ، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى مَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّعْيُ عَلَى مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّعَامِ.
(1) حاشية ابن عابدين 5 / 215.
(2) سورة محمد / 12.
(3) حديث:"المسلم يأكل. . ."أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري 9 / 536 ط السلفية، وصحيح مسلم 3 / 1631ط عيسى الحلبي) .
(4) سورة الأعراف / 32.