قوله: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى} الضميرُ للقصةِ. و {لاَ تَعْمَى الأبصار} مُفَسِّرَةٌ له. وحَسَّنَ التأنيثَ في الضمير كونُه وَليَه فِعْلٌ بعلامةِ تأنيثٍ، ولو ذُكِّر في الكلامِ فقيل: «فإنه» لجازَ، وهي قراءةٌ مَرْوِيَّةٌ عن عبد الله، والتذكيرُ باعتبارِ الأمرِ والشأنِ.
وقال الزمخشري: «ويجوزُ أن يكون ضميرًا مُبْهمًا يُفَسِّره «الأبصارُ» وفي «تَعْمَى» راجعٌ إليه».
قوله: {التي فِي الصدور} صفةٌ أو بدلٌ أو بيانٌ.
وهل هو توكيدٌ؛ لأنَّ القلوبَ لا تكونُ في غير الصدور، أو لها معنى زائدٌ؟ كما قال الزمخشري: «الذي قد تُعُوْرِف واعتُقِدَ أنَّ العمى في الحقيقة مكانُه البصرُ، وهو أن تصابَ الحَدَقَةُ بما يَطْمِسُ نورَها، واستعمالُه في القلبِ استعارةٌ ومَثَلٌ.
فلمَّا أُريدَ إثباتُ ما هو خلافُ المعتقدِ مِنْ نسبةِ العمى إلى القلوبِ حقيقةً، ونفيُه عن الأبصارِ، احتاج هذا التصويرُ إلى زيادةِ تعيينٍ وفَضْلِ تعريفٍ؛ ليتقرَّرَ أنَّ مكانَ العمى هو القلوبُ لا الأبصارُ، كما تقولُ: ليس المَضَاءُ للسَّيْفَ، ولكنه لِلِسانِك الذي بينَ فَكَّيْكَ. فقولُك: «الذي بين فَكَّيْكَ» تقريرٌ لِما ادَّعَيْتَه لِلِسانِه وتثبيتٌ؛ لأنَّ مَحَلَّ المَضاءِ هو هو لا غير، وكأنَّك قلتَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عن السيفِ وأثبتَّه لِلِسانِك فلتةً مني ولا سَهوًا، ولكن تَعَمَّدْتُ به إيَّاه بعينه تَعَمُّدًا.
وقال الإِمامُ فخر الدين: «وفيه عندي وجهٌ آخرُ: وهو أنَّ القلبَ قد يُجْعَلُ كنايةً عن الخاطرِ والتدبُّرِ، كقولِه تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] .
وعند قومٍ أنَّ محلَّ الذِّكْرِ هو الدماغُ، فاللهُ تعالى بيَّن أنَّ مَحَلَّ ذلك هو الصدرُ».
وفي محلِّ العقلِ خلافٌ مشهورٌ، وإلى الأولِ مَيْلُ ابنِ عطية قال: «هو مبالغةٌ كما تقول: نظرتُ إليه بعيني، وكقوله: يقولون بأَفْواههم» .
قلت: وقد أَبْدَيْتُ فائدةً في قوله «بأفواههم» زيادةً على التأكيد.