وقد جِيء في هذه الآية بمبالغاتٍ كثيرة منها قوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} يعني أنه حَقٌّ واجبٌ عليهم لله في زمانهم لا ينفكُّون عن أدائِهِ والخروجِ عن عُهْدَتِهِ.
ومنها أنه ذَكَرَ «الناس» ثم أَبْدل منهم {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا} وفيه ضربان من التأكيدِ:
أحدُهما: أنَّ الإِبدالَ تثنيةُ المرادِ وتكريرٌ له.
والثاني: أن التفصيلَ بعد الإِجمال والإِيضاحَ بعد الإِبهام إيرادٌ في صورتين مختلفتين، قاله الزمخشري على عادةِ فصاحتِهِ وتخليصِهِ المعنى بأقرب لفظ.
والألفُ واللام في «البيت» للعهدِ لتقدُّم ذِكْرِه، وهو عَلَمٌ بالغلَبَة كالثريا والصَّعِق، فإذا قيل «زار البيت» لم يتبادرِ الذهنُ إلا إلى الكعبة شَرَّفها الله تعالى، وقال الشاعر:
1361 - لَعَمْرِي لأنت البيتُ أُكْرِمُ أهلَه ... وأَقْعُدُ في أَفْنَائِهِ بالأَصائلِ
أنشد الشيخُ هذا البيتَ في هذا المَعْرِضِ وفيه نظرٌ، إذ ليس في الظاهرِ الكعبةُ. والضمير في «إليه» الظاهرُ عَوْدُهُ على الحج لأنه مُحَدَّثٌ عنه، والثاني: عَوْدُه على البيت «وإليه» متعلِّقٌ باستطاع، و «سبيلا» مفعولٌ به لأنَّ «استطاع» متعدٍّ، قال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} [الأعراف: 197] إلى غيره من الآيات.