قوله: {بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ} «بعض» على بابِها.
وإنما قال ذلك ليهضِمَ موسى عليه السلام بعضَ حقه في ظاهرِ الكلام، فيُرِيَهم أنه ليس بكلامِ مَنْ أعطاه حقه وافيًا فَضْلًا أَنْ يتعصَّبَ له، قاله الزمخشري.
وهذا أَحسنُ مِنْ قولِ غيرِه: إنَّها بمعنى كل، وأنشدوا قولَ لبيد:
3926 - تَرَّاكُ أَمْكنةٍ إذا لم يَرْضَها ... أو يَرْتَبِطْ بعضُ النفوسِ حِمامُها
وأنشدوا قولَ عمرو بن شُيَيْم:
3927 - قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه ... وقد يكونُ مع المستعجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
3928 - إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها ... دون الشيوخِ ترى في بعضِها خَلَلا
ولا أدري كيف فَهِموا الكلَّ من البيتين الأخيرين؟ وأَمَّا الأولُ ففيه بعضُ دليلٍ؛ لأنَّ الموتَ يأتي على الكلِّ.
ولَمَّا حكى هذا الزمخشريُّ عن أبي عبيدة، وأنشد عنه بيتَ لبيدٍ قال: «إن صَحَّتِ الروايةُ عنه فقد حَقَّ فيه قولُ المازني في مسألة العَلْقى: «كان أَجْفَى مِنْ أن يفقهَ ما أقولُ له» .
قلتُ: ومسألةُ المازني معه أنَّ أبا عبيدةَ قال للمازني: «ما أكذبَ النحويين!! يقولون: هاءُ التأنيثِ لا تدخل على ألفِ التأنيثِ وأن الألفَ في «عَلْقَى «مُلْحقة.
قال: فقلت له: وما أنكرْتَ من ذلك؟ فقال: سَمِعْتُ رؤبةَ يُنْشِد:
3929 - يَنْحَطُّ في عَلْقَى وفي مُكُوْرِ ... فلم يُنَوِّنْها. فقلتُ: ما واحدُ عَلْقى؟ قال: عَلْقاةٌ.
قال المازني: فامتنعْتُ ولم أُفَسِّرْ له لأنه كان أَغْلظَ مِنْ أَنْ يفهمَ مثلَ هذا».
قلت: وإنما استغلظَه المازنيُّ؛ لأنَّ الألفَ التي للإِلحاق تَدْخُل عليها تاءُ التأنيثِ دالةً على الوَحْدة فيقال: أَرْطى وأَرْطاة.
وإنما الممتنعُ دخولُها على ألفِ التأنيثِ نحو: دَعْوى وصَرْعى.
وأمَّا عدمُ تنوين «عَلْقَى» فلأنَّه سَمَّى بها شيئًا بعينِه
وألفُ الإِلحاقِ المقصورةُ حالَ العلميَّة تَجْري مَجْرى تاءِ التأنيث فيمتنعُ الاسمُ الذي هي فيه، كما تمتنعُ فاطمة. وتَنْصَرِفُ قائمة.