فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 2134

قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ} هذا استثناءٌ مفرغٌ من المفعول من أجله، والعامل فيه: لا يَتَّخِذُ أي: لا يَتَّخِذُ المؤمنُ الكافر وليًّا لشيءٍ من الأشياء إلا للتَقِيَّة ظاهرًا، أي يكونُ مُواليَه في الظاهر ومعادِيَه في الباطن، وعلى هذا فقولُه: {وَمَن يَفْعَلْ ذلك} وجوابُهُ معترضٌ بين العلة ومعلولِها.

وفي قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ} التفاتٌ من غيبة إلى خطاب، ولو جرى على سَنَنِ الكلام الأولِ لجاء بالكلامِ غيبة، وأَبْدَوا للالتفاتِ هنا معنًى حسنًا: وذلك أن موالاة الكفار لَمَّا كانت مستقبحةً لم يواجِه اللهُ عبادَه بخطابِ النهي، بل جاء به في كلام أُسْنِدَ الفعل المنهيُّ عنه لغيب، ولَمَّا كانَتِ المجامَلَةُ في الظاهر والمحاسنةُ جائزةً لعذرٍ وهو اتِّقاءُ شرِّهم حَسُنَ الإِقبالُ إليهم وخطابُهم بِرَفْع الحرج عنهم في ذلك.

قوله: {نَفْسَهُ} مفعولٌ ثان لـ (حَذَّر) ؛ لأنه في الأصل متعدٍّ بنفسه لواحد فازدادَ بالتضعيفَ آخرَ، وقدَّر بعضُهم حَذْفَ مضافٍ أي: عقاب نفسه.

وصَرَّح بعضُهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء عن بعضهم، وليس بشيء، إذ لا بدَّ من تقديرِ هذا المضافِ لصحة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه في نحو قولك: «حَذَّرتك نفس زيد» أنه لا بد من شيء تُحَذِّر منه كالعقاب والسَّطْوة، لأن الذواتِ لا يُتَصَوَّر الحذرُ منها نفسها، إنما يُتَصَوَّر من أفعالِها وما يَصْدُر عنها.

وعَبَّر هنا بالنفسِ عن الذات جريًا على عادة العرب، كما قال الأعشى:

1229 - يَوْمًا بأجودَ نائلًا منه إذا ... نفسُ الجَبانِ تَجَهَّمَتْ سُؤَّالها

وقال بعضهم: الهاء في «نفسه» تعود على المصدر المفهوم من قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ} أي: ويحذِّرُكم الله نفسَ الاتخاذ، والنفسُ عبارة عن وجود الشيء وذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت