فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 2134

و «صِدِّيقَةٌ» تأنيثُ «صِدِّيق» وهو بناء مبالغة كـ «فَعّال» و «فَعُول» إلا أنه لا يعمل عملَ أمثلةِ المبالغة، فلا يقال: «زيدٌ شِرِّيبٌ العسلَ» كما يقال: «شَرَّابٌ العسلَ» وإن كان القياس إعمالَه، وهل هو مِنْ «صَدَق» الثلاثي أو من «صَدَّق» مضعفًا؟

القياسُ يقتضي الأولَ، لأنَّ أمثلةَ المبالغةِ تَطَّرِدُ من الثلاثي دونَ الرباعي، فإنه لم يَجئ منه إلا القليلُ.

وقال الزمخشري: «إنه من التصديق» وكذا ابنُ عطية، إلا أنَّه جَعَله محتملًا، وهذا واضحٌ لقوله: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا} فقد صَرَّح بالفعلِ المسند إليها مضعفًا.

وقوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} لا محلَّ له لأنه استئنافٌ وبيان لكونِهما كسائرِ البشرِ في احتياجِهما إلى ما يَحْتاج إليه كلُّ جسمٍ مُولَدٍ، والإلهُ الحقُّ منزَّهٌ عن ذلك.

وقال بعضهم: «هو كناية عن احتياجهما إلى التغَوُّطِ» ولا حاجة إليه.

وفي تكريرِ الأمر بقوله: «انظُرْ» «ثم انظر» دلالةٌ على الاهتمام بالنظر، وأيضًا فقد اختَلف متعلَّقُ النظرين، فإنَّ الأولَ أمرٌ بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآياتِ وبيانِها بحيث إنه لا شكَّ فيها ولا ريبَ، والأمرُ الثاني بالنظر في كونِهم صُرِفوا عن تدبُّرها والإِيمان بها، أو بكونِهم قُلِبوا عمَّا أُريد بهم.

قال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما معنى التراخي في قولِه: «ثم انظرْ» ؟

قلت: معناه ما بينَ التعجبين، يعني أنه بَيَّن لهم الآياتِ بيانًا عجبًا، وأنَّ إعراضَهم عنها أعجُب منه» انتهى.

يعني أنه من بابِ التراخي في الرُّتَبِ لا في الأزمنةِ، ونحوُه: {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] وسيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت