فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 2134

قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ} : في نصبِه أحدَ عشرَ وجهًا:

أحدها: أنه منصوبٌ بـ «اتقوا» أي: اتقوا اللَّهَ في يومِ جَمْعِه الرسلَ قاله الحوفي، وهذا ينبغي ألاَّ يجوزَ لأنَّ أمرَهم بالتقوى في يوم القيامة لا يكون، إذ ليس بيومِ تكليفٍ وابتلاء، ولذلك قال الواحدي: ولم «يُنْصَب اليوم الظرفِ للاتقاء، لأنهم لم يُؤْمَروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كقوله: {واتقوا يَوْمًا} [البقرة: 48] .

الثاني: أنه منصوب بـ «اتقوا» مضمرًا يدل عليه «واتقوا الله»

قال الزجاج: «هو محمول على قوله: «واتقوا الله» ثم قال: «يوم يجمع» أي: واتقوا ذلك اليوم»، فدلَّ ذِكْرُ الاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكون منصوبًا على الظرف للاتقاء لأنهم لم يُؤْمروا بالاتقاء في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كقوله تعالى: {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] .

الثالث: أنه منصوب بإضمار «اذكروا»

الرابع: بإضمار «احذروا»

الخامس: أنه بدل اشتمال من الجلالة.

قال الزمخشري: «يوم يجمع «بدلٌ من المنصوب في «واتقوا الله» وهو من بدلِ الاشتمال كأنه قيل: واتقوا الله يوم جَمْعِه» انتهى.

ولا بد من حذفِ مضافٍ على هذا الوجهِ حتى تَصِحَّ له هذه العبارةُ التي ظاهرها ليس بجيدٍ، لأنَّ الاشتمالَ لا يُوصَفُ به الباري تعالى أيِّ مذهبٍ فَسَّرناه من مذاهبِ النحويين في الاشتمالَ، والتقديرُ: واتقوا عقابَ الله يومَ يجمعُ رسلَه، فإنَّ العقابَ مشتملٌ على زمانِه، أو زمانه مشتملٌ عليه، أو عاملُها مشتملٌ عليهما على حَسَبِ الخلافِ في تفسيرِ البدلِ الاشتمالي، فقد تبيَّن لك امتناعُ هذه العباراتِ بالنسبةِ إلى الجلالةِ الشريفة. واستبعد الشيخ هذا الوجهَ بطولِ الفصلِ بجملتين، ولا بُعْدَ فإنَّ هاتين الجملتين من تمامِ معنى الجملةِ الأولى.

السادسُ: أنَّه منصوبٌ بـ «لا يَهْدي»

قال الزمخشري: «أي: لا يهديهم طريقَ الجنة يومئذ كما يُفْعَلُ بغيرهم» .

وقال أبو البقاء: «أي: لا يهديهم في ذلك اليومِ إلى حُجَّة أو إلى طريق الجنة» .

السابع: أنه مفعولٌ به وناصبُه «اسمعوا» ولا بد من حذف مضاف حينئذ لأنَّ الزمان لا يسمع، فقدَّره أبو البقاء: «واسمعوا خبر يوم يجمع»

ولم يذكر أبو البقاء غيرَ هذين الوجهين وبدأ بأولهما.

وفي نصبِه بـ «لا يَهْدي» نظر من حيث إنه لا يهديهم مطلقًا لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحكومَ عليهم بالفسق، وفي تقدير الزمخشري «لايهديهم إلى طريق الجنة» نُحُوٌّ إلى مذهبه من أنّ نَفْي الهداية المطلقة لا يجوز على الله تعالى، ولذلك خَصَّص المُهْدَى إليه ولم يذكر غيره، والذي سَهَّل ذلك عنده أيضًا كونُه في يومٍ لا تكليفَ فيه، وأما في دار التكليف فلا يُجيز المعتزلي أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى نَفْيُ الهدايةِ مطلقًا ألبتَّة.

الثامن: أنه منصوبٌ بـ «اسمعوا» قاله الحوفي، وفيه نظرٌ لأنهم ليسوا مكلِّفين بالسماعِ في ذلك اليومِ، إذ المرادُ بالسماع السماعُ التكليفي.

التاسع: أنه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ متأخرٍ أي: يوم يَجْمَعُ اللَّهُ الرسلَ كان كيتَ وكاتَ، قاله الزمخشري.

العاشر: قلت: يجوز أن تكونَ المسألة من باب الإِعمال، فإنَّ كُلًا من هذه العوامل الثلاثة المتقدمة يَصِحُّ تسلُّطُه عليه بدليل أنَّ العلماء جَوَّزوا فيه ذلك، وتكون المسألةُ مِمَّا تنازع فيها ثلاثةُ عواملَ وهي «اتقوا» و «اسمعوا» و «لا يَهْدي» ، ويكون من إعمال الأخير لأنه قد حُذِفَ من الأَوَّلِين ولا مانع يمنع من الصناعة، وأمَّا المعنى فقد قَدَّمْتُ أنه لا يظهر نصب «يوم» بشيء من الثلاثة لأنَّ المعنى يأباه.

وإنما أجَزْتُ ذلك جريًا على ما قالوه وجَوَّزوه، لاسيما أبو البقاء فإنه لم يذكر غيرَ كونِه منصوبًا بـ «اسمعوا» أو بـ «لا يهدي» ، وكذا الحوفي جَوَّز أن ينتصب بـ «اتقوا» وب «اسمعوا»

الحادي عشر: أنه منصوب بـ «قولوا: لا علمَ لنا» أي: قال الرسل يوم جمعهم وقول الله لهم ماذا أُجبتم.

واختاره الشيخ على جميع ما تقدم، قال: «وهو نظيرُ ما قلناه في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ} [البقرة: 30] وهو وجه حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت