وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ خَصَّ الخيرَ بالكَسْب والشرَّ بالاكتسابِ؟
قلت: في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ مِمَّا تَشْتهيه النفسُ وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به كانَتْ في تحصيلهِ أَعْمَلَ وآجَدَ فَجُعِلَتْ لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكنْ كذلكَ في بابِ الخيرِ وُصِفَتْ بما لا دلالةَ فيه على الاعتمالِ».
وقال ابنُ عطية: «وكَرَّر فعلَ الكسبِ فَخَالَفَ بين التصريف حُسْنًا لنمطِ الكلامِ، كما قال تعالى: {فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ} [الطارق: 17] هذا وجهٌ، والذي يَظْهَرُ لي في هذا أنَّ الحسناتِ هيَ مما يُكْسَبُ دونَ تكلُّفٍ، إذ كاسبُها على جادَّةِ أمرِ الله ورَسْمِ شَرْعِهِ، والسيئاتُ تكتسب ببناء المبالَغَة، إذ كاسبُها يَتَكَّلفُ في أَمرِها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ الله تعالى، ويَتجاوَزُ إليها فَحَسُنَ في الآية مجيءُ التصريفَيْنِ إحرازًا لهذا المعنى» .
وقال بعضُهم: «لا فَرْقَ، وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] .
وقال تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] ، وقال تعالى: {بِغَيْرِ مَا اكتسبوا} [الأحزاب: 58] فقد استعمل الكَسْب والاكتسابَ في الشرِّ».
وقال أبو البقاء: «وقال قومٌ: «لا فَرْقَ بينهما، وذكر نحوًا مِمَّا تقدَّم.
وقال آخرون: «افتْعَلَ يَدُلُّ على شدَّة الكَلَفِة. وفعلُ السيئة شديدٌ لِما يَؤُول إليه» .
وقال الواحدي: «الصحيحُ عند أهلِ اللغة أن الكسبَ والاكتسابَ واحدٌ لا فرقَ بينهما، قال ذو الرمة:
1151 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ألفَى أباه بذاك الكسبِ يَكْتَسِبُ
قلت: وإنما أَتى في الكسبِ باللامِ وفي الاكتسابِ بـ «على» ؛ لأنَّ اللامَ تقتضي المِلْكَ والخيرَ يُحَبُّ ويُسَرُّ به، فجيء معه بما يَقْتَضِي المِلْكُ، ولَمَّا كان الشرُّ يُحْذَرُ وهو ثِقَلٌ ووِزْرٌ على صاحبهِ جِيءَ معه بـ «على» المقتضيةِ لاستعلائِهِ عليه.
وقال بعضَهم: «فيه إيذانٌ أَنَّ أَدْنى فعلٍ من أفعالِ الخير يكونُ للإنسان تكرُّمًا من اللهِ على عبدهِ حتى يصلَ إليه ما يفعلُهُ معه ابنُ من غيرِ علمِه به، لأنه من كسبهِ في الجملةِ، بخلافِ العقوبةِ فإنه فا يُؤَاخَذُ بها إلا مَنْ جَدَّ فيها واجتهَدَ»
وهذا مبنيٌّ على القولِ بالفرق بين البنائين وهو الأظهرُ.