وَيْلٌ) مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كانَ نكرةً لأنه دعاءٌ عليهم، والدعاءُ من المسوِّغاتِ سواءً كان دعاءً له نحو: «سلامٌ عليكم، أو عليه كهذه الآية، والجارُّ بعده الخبرُ فيتعلًّقُ بمحذوف.
واعلم أن ويلًا وأخواتِه وهي: وَيْح ووَيْس ووَيْب وعَوْل من المصادرِ المنصوبةِ بأفعالٍ من غير لفظِها، وتلك الأفعالُ واجبةُ الإِضمارِ، لا يجوز إظهارُها ألبتَّة.
قوله {بِأَيْدِيهِمْ} وهذا من بابِ التأكيد فإن الكُتْبَةَ لا تكون بغير اليدِ، ونحوُه: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ، {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: 167] .
وقيل: فائدةُ ذكره أنَّهم باشَرُوا ذلك بأنفسِهم ولم يَأَمُروا به غيرَهم، فإنَّ قولَك: فَعَلَ فلانٌ كذا يَحْتملُ أنه أمر بفعلِه ولم يُباشِرْه، نحو: بنى الأميرُ المدينةَ، فأتى بذلِك رَفْعًا لهذا المجازِ.
وقيل: فائدتُه بيانُ جُرْأَتِهم ومُجَاهَرَتِهم، فإنَّ المباشِرَ للفعل أشدُّ مواقعةً مِمَّنْ لم يباشِرْه. وهذان القولان قريبان من التأكيد، فإنَّ أصلَ التأكيدِ رفْعُ توهُّمِ المجاز.
وقال ابن السَّرَّاج: «ذِكْرُ الأيدي كنايةٌ عن أنهم اختلقوا ذلك من تِلقائهم ومِنْ عندِ أنفسِهم»
وهذا الذي قاله لا يَلْزَمُ.
ولا بدَّ في قوله: {يَكْتُبُونَ الكتاب} مِنْ حَذْفٍ يَصِحُّ معه المعنى، فقدَّره الزمخشري: «يكتبونَ الكتابَ المحرَّفَ» .
وقدَّرَه غيرُه حالًا من الكتاب تقديرُه: يكتُبون الكتابَ مُحَرَّفًا.
وإنما أَحْوَجَ إلى هذا الإِضمارِ لأنَّ الإِنكارَ لاَ يَتَوَجَّهُ على مَنْ كَتَب الكتاب بيده إلا إذا حَرَّفه وغَيَّره.
{وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}
وإنما كرَّر «الوَيْل» ليُفيدَ أنَّ الهَلَكَة متعلقةٌ بكلِّ واحدٍ من الفِعْلَيْنِ على حِدَتِه لا بمجموعِ الأمرَيْنِ، وإنَّما قَدَّم قولَه: «كَتَبَتْ» على «يَكْسبون» لأن الكتابةَ مُقَدَّمةٌ فنتيجتُها كسبُ المالِ، فالكَتْبُ سببٌ والكسبُ مُسَبَّبٌ، فجاء النَّظْمُ على هذا.