فهرس الكتاب

الصفحة 1733 من 2134

قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها} في انتصابِها وجهان:

أحدهما: أنها معطوفةٌ على «رأْفَةً ورحمةً» .

و «جَعَلَ» إمَّا بمعنى خَلق أو بمعنى صيَّر، و «ابْتدعوها» على هذا صفةٌ لـ «رَهْبانية» وإنما خُصَّتْ بذِكر الابتداعِ لأنَّ الرأَفةَ والرحمةَ في القلب أمرُ غريزةٍ لا تَكَسُّبَ للإِنسانِ فيها بخلافِ الرهبانية فإنها أفعالُ البدن، وللإِنسانِ فيها تكسُّبٌ.

إلاَّ أنَّ أبا البقاء منعَ هذا الوجهَ بأنَّ ما جعله اللَّهُ لا يَبْتدعونه. وجوابُه ما تَقَدَّم: مِنْ أنَّه لَمَّا كانت مكتسبةً صَحَّ ذلك فيها. وقال أيضًا: «وقيل: هو معطوفٌ عليها، وابتدعوها نعتٌ له. والمعنى: فَرَضَ عليهم لزومَ رهبانيةٍ ابتدعوها، ولهذا قال: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله} .

والوجه الثاني: أنه منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الظاهرُ وتكون المسألةُ من الاشتغالِ.

وإليه نحا الفارسيُّ والزمخشريُّ وأبو البقاء وجماعةٌ إلاَّ أنَّ هذا يقولون إنه إعرابُ المعتزلة؛ وذلك أنَّهم يقولون: ما كانَ مِنْ فِعْلِ الإِنسانِ فهو مخلوقٌ له، فالرحمةُ والرأفة لَمَّا كانتْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى نَسَبَ خَلْقَهما إليه. والرَّهْبانِيَّة لَمَّا لم تكنْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى بل مِنْ فعل العبدِ يَسْتَقِلُّ بفعلِها نَسَب ابتداعَها إليه، وللردِّ عليهم موضعٌ آخرُ هو أليقُ به من هذا الموضعِ، وسأبِّينُه إنْ شاء الله في «الأحكام»

وقرأ الحسن «رَآفة» بزنة فَعالة.

قوله: {إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله} فيه أوجه:

أحدها: أنه استثناء متصلٌ ممَّا هو مفعولٌ من أجلِه.

والمعنى: ما كَتَبْناها عليهم لشيءٍ من الأشياءِ إلاَّ لابتغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ، ويكون «كتب» بمعنى قضى، فصار: كَتَبْناها عليهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وهذا قولُ مجاهد.

والثاني: أنه منقطعٌ.

قال الزمخشري: ولم يذكُرْ غيرَه، أي: ولكنهم ابْتَدعوها.

وإلى هذا ذهبَ قتادةُ وجماعةٌ، قالوا: معناه لم يَفْرِضْها عليهم ولكنهم ابتدعوها.

الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في «كَتَبْنَاها»

قاله مكيُّ وهو مُشْكِلٌ: كيف يكونُ بدلًا، وليس هو الأولَ ولا بعضَه ولا مشتملًا عليه؟

وقد يُقال: إنه بدلُ اشتمالٍ، لأن الرهبانيةَ الخالصةَ المَرْعِيَّةَ حَقَّ الرِّعاية قد يكون فيها ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، ويصير نظيرَ قولِك «الجاريةُ ما أحببتها إلاَّ أدبَها» فإلاَّ أدبَها بدلٌ من الضمير في «أَحْبَبْتُها» بدلُ اشتمالٍ، وهذا نهايةُ التمحُّلِ لصحةِ هذا القولِ واللَّهُ أعلمُ.

والضميرُ المرفوعُ في «رَعَوْها» عائدٌ على مَنْ تَقَدَّمَ. والمعنى: أنهم لم يَدُوموا كلُّهم على رعايتها، وإنْ كان وُجِدَ هذا في بعضِهم.

وقيل: يعودُ على الملوكِ الذين حاربوهم.

وقيل: على أحلافِهِم.

و «حَقَّ» نصبٌ على المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت