فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 2134

فإن قيل: المقابل للخير هو الشر فكيف عَدَلَ عن لفظ الشر؟

والجواب أنه أراد تغليب الرحمة على ضدها فأتى في جانب الشر بأخص منه وهو الضرُّ، وفي جانب العام الذي هو الخير تغليبًا لهذا الجانب.

قال ابن عطية: «ناب الضرُّ هنا مناب الشرُّ وإن كان الشر أعمَّ منه فقابل الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكليف والصيغة، فإن باب التكليف وصيغ الكلام أن يكون الشيء مقترنًا بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقةً أو مضاهاة، فمن ذلك: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى} فجاء بالجوع مع العري وبابه أن يكون مع الظمأ.

ولم يوضح ابن عطية ذلك.

وإيضاحه في آية طه اشتراك الجوع والعري في شيء خاص وهو الخلوُّ، فالجوع خلوٌّ وفراغ في الباطن، والعريُّ خلوٌّ وفراغ في الظاهر، واشتراك الظمأ والضحى في الاحتراق، فالظمأ احتراق في الباطن ولذلك تقول: «بَرَّد الماء حرارة كبدي وأوام عطشي» ، والضحى: احتراق الظاهر.

وقدَّم تبارك وتعالى مَسَّ الضرِّ على مسِّ الخير لمناسبة اتصال مسِّ الضر بما قبله من الترهيب المدلول عليه بقوله: إن أخاف.

وجاء جواب الشرط الأول بالحصر إشارةً إلى استقلاله بكشف الضر دون غيره، وجاء الثاني بقوله {فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} إشارةً إلى قدرته الباهرة فيندرجُ فيها المَسُّ بخير وغيره، على أنه لو قيل: إن جواب الثاني محذوف لكان وجهًا أي: وإنْ يَمْسَسْك فلا رادَّ لفضله للتصريح بمثله في موضع آخرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت