وإذا أُفْرِدَ «فُلْك» فهو مذكرٌ قال تعالى: {فِي الفلك المشحون}
قالوا: - ومنهم أبو البقاء: ويجوزُ تأنيثُه مستدلِّين بقوله: {والفلك التي تَجْرِي} فوصَفَه بصفةِ التأنيثِ، ولا دليلَ في ذلك لاحتمالِ أنْ يُرادَ به الجمعُ، وحينئذٍ فيوصفُ بما تُوصَفُ به المؤنثةُ الواحدةُ.
وجاءَ بصلةِ «التي» فعلًا مضارعًا ليدلَّ على التجدُّدُ والحدوثِ، وإسنادُ الجري إليها مَجازٌ، وقوله «في البحر» توكيدٌ، إذ معلومٌ أنها لا تجري في غيرِه، فهو كقولِه: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] .
قوله: {فَأَحْيَا بِهِ} عَطَفَ «أحيا» على «أنزل» الذي هو صلةٌ بفاء التعقيبِ دلالةً على سرعة النبات.
قوله: {وَتَصْرِيفِ الرياح}
قال ابنُ عطية: «وجاءَتْ في القرآنِ مجموعةً مع الرحمةِ مفردة مع العذابِ إلا في قولِه: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] وهذا أَغْلَبُ وقوعِها في الكلامِ، وفي الحديث: «اللهم اجعلها رياحًا ولا تَجْعَلْها ريحًا»
لأنَّ ريحَ العذابِ شديدةٌ ملتئمةٌ الأجزاءِ كأنّها جسمٌ واحدٌ، وريحُ الرحمةِ ليِّنةٌ متقطعةٌ.
وإنما أُفرِدَتْ مع الفُلْك - يعني في يونس - لأنها لإِجراء السفن وهي واحدةٌ متصلةٌ؛ ثم وُصِفَتْ بالطيِّبة فزالَ الاشتراكُ بينها وبين ريح العذاب». انتهى.
وهذا الذي قالَه يَرُدُّه اختلافُ القراءِ في أحدَ عشر موضعًا يأتي تفصيلُها.
وإنما الذي يقال: إنَّ الجمعَ لم يأتِ مع العذابِ أصلًا؛ وأمَّا المفردُ فجاءَ فيهما، ولذلك اختصَّها عليه السلام في دعائِه بصيغةِ الجمعِ.
وقرأ هنا «الريح» بالإِفراد حمزةُ والكسائي، والباقون بالجمع.
فالجمعُ لاختلافِ أنواعِها: جَنوبًا ودَبورًا وصَبا وغيرَ ذلك، وإفرادُها على إرادة الجنس.
والسحابُ: اسمُ جنسٍ واحدَتُه سَحابةٌ، سُمِّي بذلك لانسحابِه، كما قيل له: حَبِيٌّ لأنه يَحْبُو، ذكر ذلك أبو علي، وباعتبار كونِه اسمَ جنس وَصَفَه بوصفِ الواحدِ المذكَّر في قوله: «المُسَخَّر» كقوله: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20]
ولمّا اعتبر معناه تارةً أخرى وَصَفَه بما يوصَفُ به الجمعُ في قوله: {سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف: 57] .
ويجوز أن يوصفَ بما تُوصفُ به المؤنثةُ الواحدةُ كقولِه: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] وهكذا كلُّ اسم جنس فيه لغتان: التذكيرُ باعتبارِ اللفظِ والتأنيثُ باعتبارِ المعنى.
والتسخيرُ: التذليلُ وجَعْلُ الشيءِ داخلًا تحت الطَّوْعِ. وقال الراغب: «هو القَهْرُ على الفعلِ وهو أبلغُ من الإِكراه» .