قوله: {مُصَدِّقًا} حالٌ مؤكِّدة لأنَّ قولَه {وَهُوَ الحق} قد تضمَّن معناها والحالُ المؤكِّدةُ: إمَّا أَنْ تُؤَكِّدَ عاملها نحو: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60] .
وإمَّا أَنْ تُؤَكِّدَ مضمونَ جملةٍ.
فإن كانَ الثاني التُزِم إضمارُ عاملِها وتأخيرها عن الجملة، ومثلُه ما أنشدَ سيبويه:
615 -أنا ابنُ دارةُ مَعْروفًا بها نَسَبي ... وهَلْ بدارةَ لَلنَّاسِ مِنْ عَارِ
والتقديرُ: وهو الحقُّ أَحُقُّه مصدقًا، وابنُ دارَة أُعْرَفُ معروفًا،
هذا تقديرُ كلامِ النحويين.
وأمّا أبو البقاء فإنه قال: «مصدقًا حالٌ مؤكِّدةٌ، والعاملُ فيها ما في «الحقّ» من معنى الفعل إذ المعنى: وهو ثابِتٌ مصدِّقًا، وصاحب الحالِ الضميرُ المستترُ في «الحقّ» عند قومٍ، وعند آخرين صاحبُ الحالِ ضميرٌ دَلَّ عليه الكلامُ، و «الحقّ» مصدرٌ لا يتحَمَّلُ الضميرَ على حَسَبِ تحمُّلِ اسمِ الفاعلِ له عندهم، فقولُه «عند آخرين» هذا هو الذي قَدَّمْتُه أوَّلًا وهو الصواب.
قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} الفاءُ جوابُ شرطٍ مقدرٍ تقديرُه: إنْ كنتم آمنتم بما أُنزِلَ عليكم فَلِمَ قَتَلتم الأنبياءَ؟ وهذا تكذيبٌ لهم، لأن الإِيمانَ بالتوراةِ منافٍ لقتلِ أَشْرَفِ خَلْقِه.
و «تقتلون» وإن كان بصيغةِ المضارعِ فهو في معنى الماضي لفَهْمِ المعنى، وأيضًا فمعه قولُه «من قبل» .
وجاز إسنادُ القتلِ إليهم وإنْ لم يَتَعاطَوْه لأنهم لَمَّا كانوا راضِينَ بفعلِ أسلافِهم جُعِلوا كأنَّهم فَعَلوا هم أنفسهم.
قوله: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} في «إنْ» قولان:
أحدهما: أنها شرطية وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: إنْ كنتُمْ مؤمنينَ فلِمَ فَعَلْتُم ذلك، ويكونُ الشرط وجوابُه قد كُرِّر مرتين، فَحُذِفَ الشرطُ من الجملةِ الأولى وبقي جوابُه وهو: فَلِمَ تقتلون، وحُذِفَ الجوابُ من الثانيةِ وبقي شرطُه، فقد حُذِفَ مِنْ كلِّ واحدةٍ ما أُثْبت في الأخرى.
وقال ابن عطية: «جوابُها متقدِّمٌ، وهو قوله: فَلِمَ» .
وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الكوفيين وأبي زيد.
والثاني: أَنَّ «إنْ» نافيةٌ بمعنى «ما» أي: ما كنتم مؤمنين لمنافاةِ ما صَدَر منكم الإِيمانَ.