قولُه تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ} : «هل» لفظُهُ استفهامٌ والمرادُ به النفيُ كقوله:
911 -وهلْ أنا إلا مِنْ غُزَيَّةَ إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غُزَيَّةُ أَرْشُدِ
أي: ما ينظُرون، وما أنا، ولذلك وقَعَ بعدها «إلاَّ» كما تَقَعُ بعد «ما» .
و «يَنْظُرون» هنا بمعنى يَنْتَظِرُون، وهو مُعَدَّىً بنفسِه، قال امرؤ القيس:
912 -فإنَّكما إنْ تَنْظُراني ساعةً ... من الدَّهْرَ يَنْفَعْني لدى أُمِّ جُنْدَبِ
وليس المرادُ هنا بالنظرِ تَرَدُّدَ العينِ، لأنَّ المعنى ليس عليه.
واستدّلَّ بعضُهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدَّى بـ (إلى) ، ويُضافُ إلى الوجه، وفي الآية الكريمة متعدٍّ بنفسِه، وليسَ مضافًا إلى الوجه، ويعني بإضافته إلى الوجهِ قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] فيكونُ بمعنى الانتظار.
وهذا ليس بشيءٍ.
أمَّا قولُه: «إنَّ الذي بمعنى البصر يتعدَّى بـ (إلى) فمُسَلَّم، قوله: «وهو هنا متعدٍّ بنفسه» ممنوعٌ، إذ يُحتمل أن يكونَ حرفُ الجر وهو «إلى» محذوفًا، لأنه يَطَّرِدُ حَذْفُه مع «أَنْ» ، إذا لم يكن لَبْسٌ.
وأمَّا قولُه: «يُضافُ إلى الوجهِ» فممنوعٌ أيضًا، إذ قد جاء مضافًا للذاتِ. قال تعالى: {أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل} [الغاشية: 17] .
والضميرُ في «ينظرون» عائدٌ على المخاطبين بقولِه: «زَلَلْتُم» فهو التفاتٌ.
قوله: {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} هذا الجار متعلِّقٌ بما بعدَه.
وإنما قُدِّم للاختصاص، أي: لا تَرْجعُ إلا إليه دون غيره.
وقرأ الجمهور: «تُرْجَعُ» بالتأنيث لجريان جمعِ التكسير مَجْرى المؤنث، إلاَّ أنَّ حمزةَ والكسائي ونافعًا قرؤوا ببنائِه للفاعل، والباقون ببنائِه للمفعول، و «رجع» يُستعمل متعديًا تارةً ولازمًا أخرى.
وقال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ الله} [التوبة: 83] فجاءت القراءتان على ذلك.
وقرأ خارجة عن نافع: «يُرْجَعُ» بالتذكير وببنائه للمفعول لأن تأنيثه مجازي، والفاعلُ المحذوفُ
في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول: إمَّا اللهُ تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لَمَّا كانت ذواتُهم وأحوالُهم شاهدةً عليهم بأنهم مَرْبوبون مَجْزِيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورَهم إلى خالقها.