قوله: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} قرأ نافع بكسرِ الراءِ اسمَ فاعلٍ مِنْ أَفْرَطَ إذا تجاوَزَ، فالمعنى: أنهم يتجاوزون الحَدَّ في معاصي الله تعالى. فأفْعَلَ هنا قاصرٌ.
والباقون بفتحها اسمَ مفعولٍ مِنْ أَفْرَطْتُه، وفيه معنيان، أحدُهما: أنَّه مِنْ أَفْرطته خلفي، أي: تركتُه ونَسِيْتُه، حكى الفراء أنَّ العرب تقول: أَفْرِطْتُ منهم ناسًا، أي: خَلَّفْتُهم، والمعنى: أنهم مَنْسِيًّون متروكون في النار.
والثاني: أنه مِنْ أَفْرَطْتُه، أي: قَدَّمْتُه إلى كذا، وهو منقولٌ بالهمزة مِنْ فَرَط إلى كذا، أي: تقدَّم إليه، كذا قال الشيخ، وأنشد للقطامي:
-واسْتَعْجَلُونْا وكانوا مِنْ صحابَتِنا ... كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
فَجَعَلَ «فَرَط» قاصرًا و «أفرط» منقولًا.
وقال الزمخشري: «بمعنى يتقدَّمون إلى النار، ويتعجَّلون إليها، مِنْ أَفْرَطْتُ فلانًا وفَرَطْتُه إذا قدَّمته إلى الماء» ، فجعل فَعَل وأفْعَل بمعنى، لا أن أَفْعل منقولٌ مِنْ فَعَل، والقولان محتملان، ومنه «الفَرَطُ» ، أي: المتقدم.
قال عليه السلام: «أنا فَرَطُكم على الحوض» ، أي: سابِقُكم.
ومنه «واجعله فَرَطًا وذُخْرًا» ، أي: متقدِّمًا بالشفاعةِ وتثقيلِ الموازين.
وقرأ أبو جعفر - في روايةٍ - «مُفَرِّطون» بتشديدِ الراءِ مكسورةً مِنْ فَرَّط في كذا: أي: قَصَّر، وفي روايةٍ، مفتوحةً، مِنْ فَرَّطته مُعَدَّى بالتضعيفِ مِنْ فَرَط بالتخفيف، أي: تَقَدَّم وسَبَقَ.
وقرأ عيسى بن عمر والحسن «لا جَرَمَ إنَّ لهم النارَ وإنهم» بكسرِ «إنَّ» فيهما على أنَّها جوابُ قسمٍ أَغْنَتْ عنه «لا جَرَمَ» .