قال الزمخشري: فإنْ قلت: ما معنى المراءاة وهي مُفَاعَلَة من الرؤية؟
قلت: لها وجهان أحدها: أنَّ المرائِيَ يُريهم عمله وهم يُرُوْنه الاستحسانَ.
والثاني: أنْ تكونَ من المفاعلة بمعنى التفعيل، يقال: نعَّمه وناعمه، وفَنَّقه وفانَقَه، وعيش مُفَانِق، وروى أبو زيد: «رأَّت المَرْأةُ المِرْآة» إذا أَمْسَكَتْها له ليرى وجهه، ويدل عليه قراءةُ ابن أبي إسحاق: «يُرَؤُّونهم» بهمزةٍ مشددةٍ مثلَ: يُدَعُّونهم، أي: يُبَصِّرونهم ويُرَاؤُوْنهم كذلك، يعني أنّ قراءةَ «يُرَؤُّونَهم» مِنْ غير ألفٍ بل بهمزةٍ مضمومةٍ مشددةٍ توضِّح أنَّ المُفَاعلةَ هنا بمعنى التفعيل. قال ابن عطية: «وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من «يراؤون» في المعنى؛ لأنَّ معناها يَحْمِلُون الناسَ على أَنْ يَرَوْهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة ويُبْطُنون النفاقَ».
وهذا منه ليس بجيد؛ لأنَّ المفاعلة إنْ كانت على بابها فهي أبلغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرة، وإنْ كانت بمعنى التفعيل فهي وافيةٌ بالمعنى الذي أرداه، وكأنه لم يعرف أنَّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل.
ومتعلِّقُ المراءاةِ محذوفٌ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُراءَى به.
والأحسن أن تُقَدِّر يُراؤون الناسَ بأعمالهم.
وقوله: {قَلِيلًا} نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو لزمان محذوف أي: ذكرًا قليلًا أو زمانًا قليلًا، والقلةُ هنا على بابِها، وجَوَّز الزمخشري وابن عطية أن تكون بمعنى العَدَم، ويأباه كونُه مستثنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهما في ذلك.