وقُرئ: «أَنْجَيْتُكُم» على التوحيدِ، وهذا خطابٌ للموجودين في زمن الرسول عليه السلام، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: أَنْجَيْنا آباءكم، نحو: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية} [الحاقة: 11] أو لأنَّ إنجاءَ الآباء سببٌ في وجودِ الأبناءِ.
وأصلُ الإِنجاءِ والنجاةِ الإِلقاءُ على نَجْوَةٍ من الأرضِ، وهي المُرتفعُ منها لِيَسْلَمَ من الآفات، ثم أُطلِقَ الإِنجاء على كل فائزٍ وخارجٍ من ضيق إلى سَعَة وإن لم يُلْقَ على نَجْوة.
وقُرئ: «يَذْبَحُون» بالتخفيف، والأولى قراءةُ الجماعةِ لأنَّ الذبحَ متكرِّر.
فإنْ قيل: لِمَ لَم يُؤْتَ هنا بواو العَطْفِ، كما أُتِي بها في سورة إبراهيم؟
فالجوابُ أنه أُرِيدَ هنا التفسيرُ كما تقدَّم، وفي سورة إبراهيم معناه: يُعَذِّبونكم بالذَّبْح وبغيرِ الذبحِ.
وقيل: يجوز أن تكونَ الواوُ زائدةً فتكونَ كآيةِ البقرة، واستدلَّ هذا القائلُ على زيادةِ الواوِ بقوله:
450 -فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الحِّي وانْتَحَى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله:
إلى المَلِكِ القَرْم وابنِ الهُمَامِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجوابُ الأول هو الأَصَحُّ.
قوله: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
والمراد بالنساءِ الأطفالُ. وإنما عَبَّر عنه بالنساءِ لمآلِهِنَّ إلى ذلك.
وقيل: المرادُ غيرُ الأطفالِ، كما قيل في الأبناء.
قوله: {وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}
والبلاءُ يكون في الخيرِ والشرِّ، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] لأنَّ الابتلاءَ امتحانٌ فيمتحِنُ اللهُ عباده بالخيرِ ليشكُروا، وبالشرِّ ليصبِروا.
وقال ابن كَيْسان: «أبلاهُ وبَلاه في الخير» وأنشد:
452 -جَزَى اللهُ بالخَيراتِ ما فَعَلا بكم ... وأَبْلاهُمَا خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو
فَجَمَع بين اللغتين، وقيل: الأكثرُ في الخيرِ أَبْلَيْتُه، وفي الشرِّ بَلَوْتُه، وفي الاختبارِ ابتلَيْتُه وبَلَوْتُه، قال النحاس: «فاسمُ الإِشارة من قوله: «وفي ذلكم» يجوزُ أن يكونَ إشارةً إلى الإِنجاءِ» وهو خيرٌ مَحْبوب، ويجوز أن يكونَ إشارةً إلى الذَّبْحِ، وهو شرٌّ مكروهٌ» وقال الزمخشري: «والبلاءُ: المِحْنَةُ إنْ أشير بـ «ذلك» إلى صنيع فرعون، والنعمةُ إن أُشير به إلى الإِنجاء»، وهو حسن.