فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 2134

قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : في «كان» هذه ستةُ أقوال:

أحدها: أنها ناقصةٌ على بابها، وإذا كانت كذلك فلا دلالةَ على مُضِيٍّ وانقطاع، بل تصلح للانقطاع نحو: «كان زيد قائمًا» وتصلح للدوام نحو: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 16] {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: 32] ، فهي هنا بمنزلَةِ «لم يَزَلْ» وهذا بحسَبِ القرائن.

وقال الزمخشري: «كان» عبارةٌ عن وجود الشيء في زمن ماض على سبيل الإِبهام، وليس فيه دليلٌ على عَدَمٍ سابق ولا على انقطاع طارئ، ومنه قولُه تعالى: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} وقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كأنه قيل: «وُجِدْتُم خيرَ أمة» .

قال الشيخ: قوله «لم تَدُلَّ على عدمٍ سابقٍ» هذا إذا لم تكن بمعنى «صار» فإذا كانت بمعنى «صار» دلَّت على عدمٍ سابقٍ، فإذا قلت: «كان زيد عالمًا» بمعنى «صار زيد عالمًا» دَلَّتْ على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم.

وقولُه: «ولا على انقطاع طارئ» قد ذكرنا قبلُ أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يَدُلُّ لفظ المُضِيِّ منها على الانقطاع، ثم قد تُسْتعمل حيث لا انقطاعَ، وفَرْقٌ بين الدلالة والاستعمال، ألا ترى أنك تقول: «هذا اللفظُ يَدُلُّ على العموم» ثم قد يستعمل حيث لا يُرادُ العمومُ بل يرُاد الخصوصُ.

وقوله: «كأنه قيل وُجِدْتُم خيرَ أمة» هذا يعارِضُ قولَه «إنها مثلُ قوله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} لأن تقديرَه «وُجِدتم خير أمة» يَدُلُّ على أنها التامة وأن «خير أمة» حالٌ.

وقوله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} لا شك أنها هنا الناقصةُ فتعارضا»

قلت: لا تعارُضَ لأنَّ هذا تفسيرُ معنًى لا تفسيرُ إعرابٍ.

الثاني: أنها بمعنى «صِرْتُم» و «كان» تأتي بمعنى «صار» كثيرًا كقوله:

1385 - بتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها ... قَطَا الحَزْنِ قد كانَتْ فِراخا بيوضُها

أي: صارَتْ فراخًا.

الثالث: أنها تامةٌ بمعنى وُجِدْتُم، و «خيرَ أمة» على هذا منصوبٌ على الحال أي: وُجدتم في هذه الحال.

الرابع: أنها زائدةٌ، والتقديرُ: أنتم خيرُ أمةٍ، وهذا قولٌ مرجوحٌ أوغَلَطٌ لوجهين:

أحدُهما: أنها لا تُزاد أولًا، وقد نَقَلَ ابن مالك الاتفاقَ على ذلك.

والثاني: أنها لا تعمل في «خير» مع زيادتِها، وفي الثاني نظرٌ، إذ الزيادةُ لا تنافي العملَ، وقد تقدَّم عليه دلائلُ في البقرة عند قولِه: {أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله} [البقرة: 246] .

الخامس: أنها على بابِها، والمرادُ: كنتم في علمِ الله، أو في اللوح المحفوظ.

السادس: أن هذه الجملةَ متصلةٌ بقوله: {فَفِي رَحْمَةِ الله} أي: فيُقال: لهم في القيامة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} .

وهو بعيدٌ جدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت