فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 2134

قوله تعالى: {وَهُوَ الله فِي السماوات} : في هذه الآية أقوالٌ كثيرة لخَّصْتُ جميعها في اثني عشر وجهًا؛ وذلك أن «هو» فيه قولان، أحدهما: هو ضمير اسم الله تعالى يعود على ما عادت عليه الضمائر قبله والثاني: أنه ضمير القصة، قال أبو عليّ.

الوجه الثاني: أن «في السماوات» معلِّقٌ بمحذوف هو صفة لله تعالى حُذِفَتْ لفَهْمِ المعنى، فقدَّرها بعضهم، وهو الله المعبود، وبعضهم: وهو الله المدبِّر، وحَذْفُ الصفة قليلٌ جدًا لم يَرِدْ منه إلا موضعُ يسيرةٌ على نَظَرٍ فيها، فمنها {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} [الأنعام: 66] أي المعانِدون، {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أي الناجين فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه.

الوجه الثالث: قال النحاس: «وهو أحسنُ ما قيل فيه - إن الكلام

تمَّ عند قوله: {وَهُوَ الله} والمجرور متعلِّقٌ بمفعول «يَعْلَم» وهو «سِرَّكم وجَهْرَكم» أي: يَعْلَم سِرَّكم وجَهْركم فيهما»

وهذا ضعيفٌ جدًا لِما فيه من تقديم معمول المصدر عليه وقد عرف ما فيه.

الوجه الرابع: أن الكلام تمَّ أيضًا عند الجلالة، ويتعلق الظرف بنفس «يعلم» وهذا ظاهر، و «يعلم» على هذين الوجهين مستأنف.

الوجه الخامس: أن الكلام تمَّ عند قوله {فِي السماوات} فيتعلق {فِي السماوات} باسم الله، على ما تقدَّم، ويتعلَّق «في الأرض» بـ «يعلم» . وهو قول الطبري.

قال أبو البقاء «وهو ضعيفٌ؛ لأن الله تعالى معبود في السماوات وفي الأرض، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، فلا تتخصَّص إحدى الصفتين بأحد الظرفين»

وهو رَدٌّ جميل.

الوجه السادس: أنَّ «في السماوات» متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من «سرَّكم» ثم قُدِّمَت الحالُ على صاحبها وعلى عاملها.

السابع: أنه متعلق بـ «يَكْسِبون» وهذا فاسد من جهة أنه يلزم منه تقديمُ معمولِ الصلةِ على الموصول؛ لأن «ما» موصولة اسمية أو حرفية، وأيضًا فالمخاطبون كيف يكسِبون في السماوات؟

ولو ذهب هذا القائل إلى أن الكلام تمَّ عند قوله «في السماوات» وعلَّق «في الأرض» بـ «يَكْسِبون» لسَهُلَ الأمرُ من حيث المعنى لا من حيث الصناعةُ.

الثامن: أن «الله» خبر أول، و «في السماوات» خبر ثان.

قال الزمخشري: «على معنى: أنَّه الله وأنه في السماوات وفي الأرض، وعلى معنى: أنه عالمٌ بما فيها لا يخفى عليه شيء، كأنه ذاته فيهما» .

قال الشيخ: «وهذا ضعيفٌ لأن المجرور بـ «في» لا يدل على كون مقيد، إنما يدل على كونٍ مُطْلَق»

وهذا سهلُ الجواب لتقدُّمِه مرارًا.

التاسع: أن يكون «هو» مبتدأ و «الله» بدل منه، و «يَعْلَمُ» خبره، و «في السماوات» على ما تقدَّم.

العاشر: أن يكون «الله» بدلًا أيضًا، و «في السماوات» الخبرُ بالمعنى الذي قال الزمخشري.

الحادي عشر: أن «هو» ضمير الشأن في محل رفع بالابتداء، والجلالة مبتدأ ثان، وخبرها «في السماوات» بالمعنى المتقدَّم أو «يَعْلَمُ» والجملة خبر الأول - وهو الثاني عشر - مفسرةً له.

وأمَّا «يَعْلَمُ» فقد عَرَفْت تفاصيل ما تقدَّم أنه يجوز أن يكون مستأنفًا، فلا محلَّ له، أو في محل رفع خبرًا، أو في محل نصب على الحال، و «سِرَّكم وجهرَكم» : يجوز أن يكونا على بابهما من المصدرية ويكونان مضافين للفاعل.

وأجاز أبو البقاء أن يكونا واقعين موقع المفعول به أي مُسَرَّكم ومَجْهوركم، واستدل بقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77] ولا دليلَ [فيه] لأنه يجوز أن تكون «ما» مصدرية. و «ما» في «ما تكسبون» يحتمل أن تكون مصدريةً - وهو الأليق لمناسبة المصدَرَيْن قبلها - وأن تكون بمعنى الذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت