فهرس الكتاب

الصفحة 1714 من 2134

قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ} : قرأه العامَّةُ «فلا» ، لامَ ألفٍ، وفيها أوجهٌ:

أحدُها: أنها حرفُ نفي، وأنَّ المنفيَّ بها محذوفٌ، وهو كلامُ الكافرِ الجاحدِ تقديرُه: فلا حُجَّةَ لِما يقولُ الكافرُ، ثم ابتدأ قَسَمًا بما ذَكَر، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين والنَّحْويين. وضُعِّفَ هذا: بأنَّ

فيه حَذْفَ اسمِ «لا» وخبرِها.

قال الشيخ: «ولا يجوز ولا ينبغي؛ فإن القائلَ بذلكَ مثلُ سعيدِ بنِ جُبير تلميذِ حَبْر القرآنِ وبحرِه عبدِ اللَّهِ ابن عباس رضي الله عنهما، ويَبْعُدُ أَنْ يقولَه سعيدٌ إلاَّ بتوقيف.

الثاني: أنها زائدةٌ للتوكيدِ، مِثْلُها في قولِه تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29] والتقدير: فأُقْسِمُ، وليَعْلَمَ، وكقولِه:

4224 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فلا وأَبي أعدائِها لا أَخُوْنُها

الثالث: أنَّها لامُ الابتداءِ. والأصلُ: فَلأُقْسِمُ فأُشْبِعَتْ الفتحةُ فتولَّد منها ألفٌ، كقولِه:

4225 - أَعوذُ باللَّهِ من العَقْرابِ ... قاله الشيخُ، واستشهدَ بقراءةِ هشام «أَفْئِيْدَة» .

قلت: وهذا ضعيفٌ جدًا، واستند أيضًا لقراءةِ الحسن وعيسى «فَلأُقْسِمُ» بلامٍ واحدةٍ.

قلت: وفي هذه القراءةِ تخريجان أحدُهما: أنَّ اللامَ لامُ الابتداءِ، وبعدَها مبتدأٌ محذوفٌ، والفعلُ خبرُه، فلمَّا حُذِفَ المبتدأُ اتصلَتْ اللامُ بخبرِه وتقديرُه: فلأَنا أٌقْسِمُ نحو: لَزيدٌ منطلقٌ، قاله الزمخشري وابن جني.

والثاني: أنها لامُ القسمِ دخَلَتْ على الفعل الحالي.

ويجوز أَنْ يكونَ القسم جوابًا للقسمِ كقوله: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا} [التوبة: 107] فنفسُ «ليَحْلِفُنَّ» قسمٌ جوابُه «إنْ أرَدْنَا» وهو جوابٌ لقسمٍ مقدرٍ، كذلك هذا، وهو قولُ الكوفيين: يُجيزون أَنْ يُقْسَم على فعلِ الحالِ.

البصريُّون يَأْبَوْنه ويُخَرِّجون ما يُوهم ذلك على إضمار مبتدأ فيعود القسم على جملةٍ اسمية.

ومنع الزمخشري أن تكونَ لامَ القسمِ قال: «لأمرَيْن، أحدهما: أنَّ حَقَّها أَنْ تُقْرَنَ بالنونِ المؤكدةِ، والإِخلالُ بها ضعيفٌ قبيحٌ.

والثاني: أنَّ لأفعلنَّ في جواب القسم للاستقبالِ، وفعلُ القسمِ يجب أَنْ يكونَ للحال».

وهذا كما تقدَّم أنه يرى مذهبَ البَصرْيين، ومعنى قولِه: «وفعلُ القَسَمِ يجبُ أنْ يكونَ للحال»

يعني أنَّ فِعْلَ القسمِ إنشاءٌ والإِنشاءُ حالٌ.

وإمَّا قولُه: «أَنْ يُقْرن بها النونُ» هذا مذهبُ البصريين.

وأمَّا الكوفيون فيجيزون التعاقبَ بين اللام والنونِ نحو: واللَّهِ لأَضْرِبُ زيدًا كقولِه:

4226 - لَئِن تَكُ قد ضاقَتْ عليكم بيوتُكمْ ... لَيَعْلَمُ ربِّي أنَّ بيتيَ واسعُ

وواللَّهِ اضربَنَّ زيدًا كقولِه:

4227 - وقتيلُ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد تقدَّم قريبٌ من هذه الآية في قولِه تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ} [النساء: 65] ولكن هناك ما لا يُمْكن القولُ به هنا كما أنَّ هنا ما لا يمكن القولُ به هناك، وسيأتي قريبٌ منه في القيامةِ في قراءةِ ابن كثير {لأُقْسِمُ بيوم القيامة} [القيامة: 1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت