قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} : العامَّةُ على كسر التاء نصبًا على أنها بدل مِن «الجنةَ» ، وعلى هذه القراءةِ يكون قولُه {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا} فيه وجهان:
أحدهما: أنه اعتراضٌ بين البدلِ والمبدلِ منه.
الثاني: أنه حالٌ، كذا قال الشيخ.
وفيه نظرٌ: من حيث إن المضارع المنفيِّ بـ «لا» كالمُثْبَتِ في أنه لا تباشِرُه واوُ الحالِ.
وقرأ أبو حيوة والحسن وعيسى بن عمر والأعمش «جناتُ» بالرفع وفيه وجهان:
أحدُهما: أنه خبرُ مبتد مضمرٍ تقديرُه: تلك، أو هي جناتُ عدنٍ.
الثاني: - وبه قال الزمخشري - أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرُها {التي وَعَدَ} .
وقرأ الحسن بن حيّ وعلي بن صالح والأعمشُ في روايةٍ «جَنَّةَ عَدْنٍ» نصبًا مفردًا. واليماني والحسنُ والأزرقُ عن حمزةَ «جنةُ» رفعًا مفردًا، وتخريجُها واضحٌ ممَّا تقدَّم.
قال الزمخشري: «لَمَّا كانت مشتملةٌ على جناتِ عدنٍ أبْدِلَتْ منها كقولِك: «أَبْصَرْتُ دارَكَ القاعةَ والعلاليَّ» .
قوله: «بالغيبِ» فيه وجهان: أحدهما: أن الباءَ حاليةٌ.
وفي صاحب الحالِ احتمالان، أحدُهما: ضميرُ الجنَّة وهو عائدٌ الموصولِ، أي: وعَدَها، وهي غائبةٌ عنهم لا يُشاهدونها.
والثاني: أن يكونَ مِنْ «عبادَة» ، أي: وهم غائبون عنها لا يَرَوْنها، إنما آمنوا بمجردِ الإِخبار منه.
والوجه الثاني: أن الباءَ سببيةٌ، أي: بسببِ تصديقِ الغيب، وبسببِ الإِيمان به.
قوله: «إنه كان» يجوز في هذا الضميرِ وجهان:
أحدُهما: أنه ضميرُ الباري تعالى يعودُ على الرحمن، أي: إنَّ الرحمن كان موعدُه مَأْتِيًّا.
والثاني: أنه ضميرُ الأمرِ والشأن؛ لأنه مَقامُ تعظيمٍ وتفخيمٍ.
و «مَأْتِيًّا» فيه وجهان:
أحدُهما: أنه مفعولٌ على بابِهِ، والمرادُ بالوعدِ الجنةُ، أُطْلِقَ عليها المصدرُ أي موعوده نحو: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأميرِ.
وقيل: الوَعْدُ مصدرٌ على بابه ومَأْتِيًَّا مفعولٌ بمعنى فاعِل ولم يَرْتِضِه الزمخشريُّ فإنه قال: «قيل في «مَأْتِيًّا» مفعولٌ بمعنى فاعِل.
والوجهُ: أنَّ الوعدَ هو الجنة، وهم يَأْتونَها، أو هو مِنْ قولِك: أتى إليه إحسانًا، أي: كان وعدُه مفعولًا مُنْجِزًا».